«وعليكم التدبير» لعبد الرحيم حوسني: قراءة أكاديمية في تجربة ميدانية لتأصيل حكامة المؤسسات التعليمية العمومية

«وعليكم التدبير» لعبد الرحيم حوسني: قراءة أكاديمية في تجربة ميدانية لتأصيل حكامة المؤسسات التعليمية العمومية
سطات : مجلة 24

يشكل صدور كتاب «وعليكم التدبير» للأستاذ عبد الرحيم حوسني إضافة نوعية إلى حقل الكتابات المتخصصة في تدبير المؤسسات التعليمية العمومية بالمغرب، بالنظر إلى طبيعته التطبيقية ومنهجيته المستندة إلى تجربة ميدانية راكمها المؤلف في إدارة خمس مؤسسات تعليمية عمومية.

مقاربة من داخل الممارسة

يندرج هذا المؤلف ضمن الأدبيات المهنية التي تكتب من موقع الفاعل لا من موقع الملاحظ الخارجي، إذ يقدم رؤية تحليلية لمختلف جوانب تدبير الشأن التربوي والإداري، انطلاقاً من تجربة عملية ممتدة في الزمن ومتنوعة في السياقات. ويعالج الكتاب قضايا محورية تهم قيادة المؤسسات التعليمية، من قبيل التخطيط الاستراتيجي، تدبير الموارد البشرية، الحكامة الإدارية، التواصل المؤسساتي، تدبير الزمن المدرسي، معالجة النزاعات، وتفعيل الشراكات.

وتكتسي هذه المقاربة أهميتها في كونها تتجاوز الطرح النظري المجرد، لتلامس الإشكالات اليومية التي تواجه أطر الإدارة التربوية، مقدمة نماذج عملية وحلولاً قابلة للتكييف مع اختلاف البيئات المدرسية.

إسهام في تأصيل ثقافة التدبير

يمثل «وعليكم التدبير» سابقة في مجال التأليف التربوي بالمغرب من حيث صدوره عن فاعل مارس المسؤولية التدبيرية فعلياً، ما يمنحه قيمة توثيقية وتكوينية في آن واحد. فالكتاب لا يكتفي بتشخيص أعطاب التدبير، بل يقترح جملة من الآليات المبتكرة لتحسين الأداء المؤسساتي، مستحضراً مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، والنجاعة في توظيف الموارد.

وحسب شهادات عدد من المطلعين على مضمونه، فإن المؤلف يتسم بعمق تحليلي وتوازن بين البعد القانوني والتنظيمي والبعد الإنساني في القيادة، بما يجعل منه مرجعاً عملياً لأطر الإدارة التربوية، سواء في طور التكوين الأساس أو التكوين المستمر.

قابلية التعميم خارج القطاع التربوي

اللافت في هذا العمل أن كثيراً من مضامينه لا تنحصر في المجال التربوي الضيق، بل تتجاوز ذلك إلى كل فضاء مؤسساتي يحتاج إلى تدبير رشيد. فالمبادئ المؤطرة للقيادة الفعالة، وآليات التخطيط والتتبع والتقويم، ومنهجيات اتخاذ القرار، تمثل أدوات كونية يمكن استثمارها في قطاعات عمومية أخرى.

ومن ثم، فإن اعتماد هذا المؤلف ضمن برامج تكوين أطر منظومة التربية والتكوين يبدو خياراً منطقياً، بالنظر إلى راهنيته وارتباطه المباشر بواقع المؤسسات التعليمية، فضلاً عن قابليته لأن يشكل أرضية مرجعية لتطوير كفايات القيادة الإدارية في مختلف القطاعات.

نحو تثمين الخبرة الوطنية

في سياق إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب، تبرز الحاجة إلى تثمين الخبرات الوطنية المتراكمة داخل المؤسسات نفسها، عوض الاقتصار على استيراد نماذج جاهزة قد لا تنسجم دائماً مع الخصوصيات المحلية. ويأتي كتاب «وعليكم التدبير» ليؤكد أن الممارسة الميدانية قادرة على إنتاج معرفة تدبيرية رصينة، متى صيغت في قالب علمي منهجي.

وعليه، يمكن اعتبار هذا العمل مساهمة جادة في إغناء النقاش حول حكامة المؤسسات التعليمية، ودعوة مفتوحة إلى تشجيع أطر الإدارة التربوية على توثيق تجاربهم وتحويلها إلى إنتاج معرفي يخدم المصلحة العامة ويعزز مسار الإصلاح.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *