وحدة اليسار: من الحلم المؤجل إلى ضرورة اللحظة
في زمن التحولات الكبرى التي تعصف بالعالم والمنطقة، وتعيد رسم خرائط القوة والاقتصاد والقيم، يعود سؤال اليسار بإلحاح: أي دور؟ وأي أفق؟ وأي موقع في معركة المعنى والعدالة؟ لم يعد النقاش ترفًا فكريًا ولا تمرينًا تنظيريًا، بل صار سؤال وجود سياسي. من هنا تبرز وحدة اليسار لا كشعار عاطفي، بل كرهان المرحلة ومسؤولية التاريخ.
تعيش مجتمعاتنا على وقع تحولات عميقة: تفكك الطبقات الوسطى، اتساع الفوارق الاجتماعية، هشاشة سوق الشغل، تآكل الثقة في المؤسسات، وصعود خطابات محافظة أو شعبوية تستثمر في الغضب والخيبة. في هذا السياق، يبدو اليسار — بكل روافده الاشتراكية والديمقراطية والتقدمية — مطالبًا أكثر من أي وقت مضى باستعادة دوره التاريخي: الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وصون الحريات، وبناء مشروع تنموي بديل.
لكن المفارقة المؤلمة أن اليسار، وهو الذي نشأ تاريخيًا حول فكرة التضامن، يعيش حالة تشتت وانقسام تنظيمي وفكري. تعددت الإطارات، وتباينت المرجعيات، وتضخمت الخلافات الثانوية حتى طغت على القواسم المشتركة. وهكذا أصبح اليسار ضعيفًا في لحظة تحتاج فيه المجتمعات إلى قوة اقتراحه ومصداقية نضاله.
إن وحدة اليسار اليوم ليست ترفًا تنظيميًا، ولا مجرد تحالف انتخابي عابر، بل هي ضرورة موضوعية تفرضها موازين القوى واختلالاتها. فالتحديات الكبرى — من العدالة الجبائية إلى إصلاح التعليم والصحة، ومن حماية الحريات إلى مواجهة اقتصاد الريع — لا يمكن لأي تنظيم بمفرده أن ينهض بها.
● التحولات الدولية: سياق يفرض إعادة التموضع
على الصعيد العالمي، تتشكل ملامح نظام دولي جديد: صراعات جيوسياسية محتدمة، أزمات طاقة وغذاء، تحولات تكنولوجية متسارعة، وتراجع في نموذج العولمة النيوليبرالية كما عرفناه منذ تسعينيات القرن الماضي. لقد كشفت الأزمات المتلاحقة — من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا — حدود النموذج الاقتصادي القائم على السوق المنفلتة وتقليص دور الدولة.
في عدة بلدان، عادت أفكار العدالة الاجتماعية، والاقتصاد التضامني، ودور الدولة الاجتماعي إلى الواجهة. تجارب يسارية متجددة في أمريكا اللاتينية وأوروبا أعادت طرح سؤال البديل، وإن بمرجعيات وأساليب مختلفة. هذا المناخ الدولي يمنح اليسار في بلداننا فرصة تاريخية لإعادة صياغة خطابه وبرنامجه، شريطة أن يتجاوز أمراضه الذاتية.
فالرهان ليس فقط في توحيد الهياكل، بل في تجديد المشروع: كيف يقرأ اليسار التحولات الرقمية؟ كيف يتعامل مع قضايا البيئة والمناخ؟ كيف يوازن بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية؟ وكيف يبني تحالفات مجتمعية واسعة دون التفريط في هويته؟
● من وحدة الضرورة إلى وحدة المشروع
الوحدة المطلوبة ليست اندماجًا شكليًا يذيب الفوارق، ولا اصطفافًا انتخابيًا ظرفيًا. إنها وحدة مشروع ورؤية. أي اتفاق حول برنامج حد أدنى واضح المعالم: دولة اجتماعية قوية، عدالة جبائية تصاعدية، حماية للحقوق والحريات، اقتصاد منتج يقطع مع الريع والفساد، وتمكين فعلي للشباب والنساء.
وحدة اليسار تعني أيضًا تجديد الثقافة السياسية داخله: ديمقراطية داخلية حقيقية، تداول على المسؤوليات، انفتاح على الكفاءات الجديدة، وإشراك القواعد في صناعة القرار. فلا يمكن لليسار أن يدعو إلى ديمقراطية المجتمع وهو عاجز عن ترسيخها داخل تنظيماته.
كما أن هذه الوحدة ينبغي أن تمتد إلى الحركات الاجتماعية والنقابية والمدنية، فالتاريخ يعلمنا أن اليسار كان قويًا حين كان متجذرًا في المجتمع، في المصانع والجامعات والأحياء الشعبية، لا حين انغلق في صراعات النخب والبيانات المتبادلة.
● مسؤولية التاريخ: بين لحظة الانكفاء وفرصة النهوض
كل مرحلة تاريخية تطرح على القوى السياسية امتحانًا. والامتحان اليوم أمام اليسار مزدوج: إما أن يستمر في التشرذم، فيتحول إلى هامش رمزي يكتفي بالشهادة على الأحداث؛ وإما أن يرتقي إلى مستوى اللحظة، فيعيد بناء ذاته ويقدم أفقًا بديلًا.
إن مسؤولية التاريخ لا تعني استدعاء أمجاد الماضي ولا الاحتماء برمزية الشهداء والمناضلين، بل تعني الجرأة على النقد الذاتي، والاستعداد للتنازل المتبادل من أجل المصلحة العامة، والقدرة على بلورة أفق جامع يتجاوز الحسابات الضيقة.
فالمجتمع الذي يرزح تحت ضغط الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات العمومية، لا ينتظر خطابات متنافرة، بل ينتظر قوة سياسية موحدة قادرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى مشروع إصلاحي ديمقراطي.
● خاتمة: الرهان الممكن
وحدة اليسار ليست قدرًا محتومًا، لكنها أيضًا ليست مستحيلة. إنها خيار سياسي وأخلاقي. خيار يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والسمو فوق الجراح القديمة، والإيمان بأن ما يجمع أكبر مما يفرق.
في زمن التحولات الكبرى، حيث تتبدل الموازين وتُعاد صياغة الأولويات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يلتقط اليسار لحظة التاريخ، أم يتركها تمر؟
الجواب ليس نظريًا. إنه يُصاغ في المبادرات، في الحوارات الجادة، في البرامج المشتركة، وفي القدرة على تحويل الشعار — “وحدة اليسار… رهان المرحلة ومسؤولية التاريخ” — من عنوان جذاب إلى ممارسة يومية ومشروع وطني جامع.

