المغرب وصعود القوة الإقليمية: بين تحديات الجوار ورهانات القيادة في مغرب متحوّل

المغرب وصعود القوة الإقليمية: بين تحديات الجوار ورهانات القيادة في مغرب متحوّل
بقلم: بوشعيب نجار

يشهد الفضاء المغاربي والإقليمي تحولات عميقة في موازين القوة، تعيد رسم خرائط التحالفات وتختبر متانة العلاقات التاريخية بين دول الجوار. وفي خضم هذه التحولات، يجد المغرب نفسه في موقع متقدم إقليمياً وقارياً، وهو موقع لم يأتِ صدفة، بل نتيجة مسار طويل من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية النشطة.

غير أن هذا الصعود المتدرج ترافق، في المقابل، مع توترات سياسية وإعلامية متزايدة مع بعض دول الجوار، سواء عبر مواقف رسمية متشددة أو عبر حملات إعلامية تعكس حالة من الاحتقان السياسي في المنطقة.

تحولات في العلاقات المغاربية

العلاقات المغربية–الجزائرية تظل العنوان الأبرز في معادلة التوتر الإقليمي. فمنذ سنوات، تعرف هذه العلاقة انسداداً سياسياً عميقاً، تغذيه ملفات خلافية مزمنة، في مقدمتها قضية الصحراء المغربية، إضافة إلى اختلاف الرؤى الاستراتيجية حول طبيعة النظام الإقليمي في شمال إفريقيا. وبين خطاب رسمي مغربي يؤكد باستمرار على مدّ اليد للحوار، وتمسك جزائري بمواقف متصلبة، تبقى المنطقة المغاربية رهينة حسابات سياسية عطّلت مشروع الاتحاد المغاربي لعقود.

أما تونس وموريتانيا، فقد شهدت علاقاتهما بالمغرب مدّاً وجزراً تبعاً للتحولات الداخلية في هذين البلدين، وللضغوط الإقليمية المتشابكة. وفي حين تظل العلاقات مع موريتانيا محكومة بروابط تاريخية واقتصادية متينة، فإنها تتأثر أحياناً بحساسية التوازنات الإقليمية. أما تونس، فقد دخلت علاقتها مع الرباط مرحلة فتور سياسي بعد سنوات من التنسيق الإيجابي، في سياق تحولات داخلية عميقة تشهدها الساحة التونسية.

وفي الشرق العربي، ورغم عمق الروابط الثقافية والسياسية التي جمعت المغرب بعدد من الدول، فإن تغير أولويات بعض العواصم الإقليمية أعاد ترتيب طبيعة التفاعل الدبلوماسي، في ظل بيئة دولية متغيرة تتداخل فيها المصالح والتحالفات.

دبلوماسية مغربية نشطة

في المقابل، يواصل المغرب ترسيخ حضوره كفاعل إقليمي وازن. فقد نجح في السنوات الأخيرة في تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع قوى دولية كبرى، وتوسيع شبكة تحالفاته في إفريقيا، مستنداً إلى مقاربة تقوم على التعاون جنوب–جنوب، والاستثمار، والدعم التنموي.

كما أن اختيار المملكة للمشاركة في مبادرات دولية كبرى، سواء في ملفات إقليمية حساسة أو في استضافة تظاهرات قارية ودولية، يعكس ثقة متنامية في استقرارها ومصداقيتها. تنظيم تظاهرات رياضية قارية بمستوى عالٍ، والانخراط في جهود الوساطة والحوار في عدد من الملفات، يعززان صورة المغرب كدولة تسعى إلى لعب دور إيجابي في محيطها.

الإعلام والحروب الناعمة

لا يمكن إغفال دور الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في تغذية التوترات. فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية أو دبلوماسية فحسب، بل أصبحت أيضاً إعلامية ورقمية. وتتصاعد أحياناً حملات متبادلة تعكس مناخاً من الاستقطاب، حيث يُستثمر الخطاب الإعلامي في تعزيز السرديات الوطنية أو في مهاجمة الخصوم السياسيين.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرد على الحملات، بل في تعزيز المناعة الداخلية عبر مزيد من التنمية، وترسيخ دولة المؤسسات، وتوسيع فضاءات الحوار الديمقراطي. فالدول القوية لا تقاس فقط بتحالفاتها الخارجية، بل بصلابة جبهتها الداخلية.

بين الطموح الإقليمي ومسؤولية الاستقرار

المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، يظل معنيّاً باستقرار محيطه المغاربي. فالتنافس الإقليمي، مهما بلغ حدّته، لا يجب أن يتحول إلى قطيعة دائمة تعمّق هشاشة المنطقة، خاصة في ظل تحديات مشتركة كالهجرة، والأمن الغذائي، والتحولات المناخية، والتهديدات الإرهابية.

الرؤية الاستراتيجية التي تقوم على الانفتاح ومدّ اليد للحوار تظل خياراً عقلانياً في بيئة مضطربة. غير أن نجاحها يظل رهيناً بوجود إرادة سياسية متبادلة لدى مختلف الأطراف، بعيداً عن منطق الاصطفافات الإيديولوجية أو الحسابات الظرفية الضيقة.

إن ما يعيشه الفضاء المغاربي اليوم ليس مجرد خلافات ظرفية، بل هو انعكاس لتحولات أعمق في بنية السلطة والتحالفات الإقليمية. وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب اختار مسار التموقع الاستراتيجي عبر التنمية والشراكات الدولية، وهو خيار يثير بطبيعة الحال ردود فعل متباينة.

غير أن التاريخ علمنا أن الجغرافيا لا تتغير، وأن شعوب المنطقة محكومة بمصير مشترك. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إدارة الخلافات فحسب، بل في تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وإحياء حلم مغاربي طال انتظاره.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تنجح المنطقة في الانتقال من منطق التوتر إلى منطق التكامل، أم يستمر نزيف الفرص الضائعة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *