من ينقذ سطات من لوبيات العقار؟
من ينقذ سطات من لوبيات العقار؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع _ كاتب رأي
في قلب الشاوية، تقف سطات على مفترق طرق حاسم. مدينة يفترض أن تكون رافعة للتنمية الجهوية، فإذا بها تتحول في نظر كثيرين إلى ساحة صامتة لتدبير ملتبس لأراضٍ جماعية كان يُفترض أن تُسخّر لخدمة الصالح العام. السؤال لم يعد من يملك الأرض، بل من يملك القرار؟
أراضٍ جماعية… بين فلسفة التضامن ومنطق الريع
الأملاك الجماعية وُجدت في الأصل لحماية الملك المشترك وضمان استفادة الساكنة منه عبر مشاريع تنموية حقيقية: مناطق صناعية، تجهيزات عمومية، فضاءات خضراء، أو مشاريع سكن اجتماعي بشروط عادلة. غير أن ما يُتداول في الكواليس يرسم صورة مغايرة:
تفويتات تتم بأثمنة توصف بالرمزية، مساطر يُحيطها الغموض، ومعلومة عمومية لا تصل إلا بعد أن يُحسم كل شيء خلف الأبواب المغلقة.
هنا يتحول العقار من رافعة تنموية إلى أداة لإعادة توزيع الثروة في اتجاه واحد. لوبيات تستثمر في الصمت، وتراهن على تعقيد المساطر وضعف التتبع، بينما يجد المواطن نفسه خارج المعادلة، لا يعلم متى اتُّخذ القرار ولا كيف رُسمت ملامحه.
غياب الشفافية… أم عجز في الحكامة؟
رفع شعارات الحكامة الجيدة لا يكفي إن لم تُترجم إلى:
نشر لوائح العقارات الجماعية القابلة للتفويت.
إعلان طلبات العروض بشفافية وتكافؤ فرص.
تمكين المجتمع المدني ووسائل الإعلام من الولوج إلى المعطيات.
إخضاع كل تفويت لتقييم اقتصادي مستقل يحدد القيمة الحقيقية للأرض.
في غياب هذه الشروط، تصبح كل عملية تفويت محل شبهة، حتى وإن كانت قانونية شكلاً. فالمشروعية القانونية لا تعني دائماً العدالة الاقتصادية أو الأخلاقية.
آثار صامتة… تنمية مؤجلة
حين تُفوت الأرض خارج رؤية تنموية شاملة، تكون الخسارة مضاعفة:
تفويت فرصة خلق مشاريع منتجة طويلة الأمد.
إضعاف ثقة الساكنة في المؤسسات المنتخبة.
تكريس شعور بأن القرار العمومي يُصاغ لخدمة أقلية نافذة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس فقط في ضياع هكتارات، بل في تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسة.
من ينقذ سطات؟
الإنقاذ لا يكون بشخص، بل بمنظومة:
تفعيل آليات الرقابة من طرف المجالس الجهوية للحسابات.
رقمنة مساطر التدبير العقاري لضمان تتبع شفاف لكل خطوة.
إشراك الساكنة في بلورة التصورات الكبرى لاستعمال العقار العمومي.
ربط التفويت بالتزامات تعاقدية صارمة تُلزم المستثمر بآجال الإنجاز وعدد مناصب الشغل، مع جزاءات واضحة عند الإخلال.
الرهان اليوم ليس فقط على كشف الاختلالات، بل على إعادة تعريف وظيفة العقار الجماعي: هل هو مخزون للريع أم رافعة للعدالة المجالية؟
ستبقى سطات رهينة لوبيات العقار ما لم يتحول النقاش من همس في المقاهي إلى مطلب مؤسساتي واضح: الأرض ملك للجماعة، والجماعة تعني الناس جميعاً. وعندما تستعيد الساكنة حقها في المعلومة والمساءلة، فقط آنذاك يمكن القول إن المدينة بدأت طريق الإنقاذ.

