تنمية تحت الضغط: حين تتحول الأوراش الكبرى إلى ريع مقنن

تنمية تحت الضغط: حين تتحول الأوراش الكبرى إلى ريع مقنن
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

في خضم الطفرة غير المسبوقة التي تعرفها بلادنا في مجال البنية التحتية، يطغى خطاب الإنجاز والسرعة والاستعداد للاستحقاقات الدولية، ويتعزز الإحساس بأن المغرب دخل مرحلة جديدة من دينامية الاستثمار العمومي واسع النطاق. غير أن القراءة المتأنية للتقرير الأخير الصادر عن مجلس المنافسة تضعنا أمام معطيات تستوجب التوقف وإعادة التفكير في الكلفة الحقيقية لهذه الدينامية، ليس فقط من زاوية حجم الاعتمادات المرصودة، ولكن من زاوية بنيتها السوقية وآثارها بعيدة المدى على الاقتصاد الوطني.
لقد كشف التقرير عن اختلالات بنيوية في أسواق مواد البناء، خاصة ما يتعلق بهوامش الربح المرتفعة، وفائض الطاقة الإنتاجية الذي لا ينعكس على الأسعار، بل يتعايش معها في مفارقة اقتصادية لافتة. ففي منطق السوق السليم، يفترض أن يؤدي فائض العرض إلى تخفيض الأسعار وتعزيز القدرة التنافسية، غير أن الواقع يظهر عكس ذلك: الأسعار تبقى مرتفعة، والهوامش مريحة، والفاعلون الكبار يحتفظون بمواقعهم المهيمنة دون ضغط تنافسي فعلي.
سوق الإسمنت مثال دال على ذلك. فالتقرير يبرز أن عدداً محدوداً من الفاعلين يسيطرون على الحصة الأكبر من المبيعات، بما يفوق أربعة أخماس السوق. هذا التركّز يسمح بتحقيق أرباح مهمة حتى في ظل استغلال لا يتجاوز نصف الطاقة الإنتاجية المتاحة. وهنا تبرز المفارقة: بدل أن يتحول فائض الإنتاج إلى أداة لتخفيض الكلفة على المواطن والمقاولة، يصبح وسيلة للحفاظ على مستويات سعرية مرتفعة تضمن استمرار هوامش الربح.
الأمر لا يختلف كثيراً في قطاع الحديد والصلب، حيث يظهر بدوره تركّز في حلقات التصنيع والتوزيع، ما يحد من دينامية المنافسة ويثقل كاهل المقاولات الصغرى والمتوسطة. والنتيجة المباشرة هي ارتفاع تكلفة المدخلات الأساسية لمشاريع البناء، ما ينعكس على كلفة المشاريع العمومية، ويؤثر بالتالي في مردودية الإنفاق العام.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: من يستفيد فعلياً من طفرة الأوراش؟ هل تتحول هذه الاستثمارات الضخمة إلى قيمة مضافة موزعة على مختلف مكونات النسيج الاقتصادي، أم أنها تعيد إنتاج الأرباح داخل دوائر محدودة من الفاعلين المهيمنين؟ حين ترتفع الأرباح دون أن يصاحبها تحسن في الإنتاجية أو انخفاض في الأسعار أو توسع في قاعدة المستفيدين، فإننا نكون أمام تنمية تحت الضغط، محكومة باعتبارات السوق المركّز أكثر من منطق المنافسة الحرة.
قد يبرر بعض الفاعلين هذه الهوامش بعوامل المخاطر وحجم الاستثمار والرأسمال المكثف، وهي اعتبارات مشروعة في الاقتصاد الصناعي. غير أن ما يثير القلق هو أن جزءاً مهماً من هذه الأرباح يُوجَّه لتعزيز القيمة المالية للمساهمين، بدل أن يُعاد ضخه في الابتكار، أو التحديث، أو توسيع سلاسل القيمة الوطنية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أوراش يُفترض أن تكون قاطرة لتنمية شاملة، تتحول – في غياب منافسة فعلية – إلى آلية لإعادة توزيع الريع داخل نفس المنظومات.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط في تسريع وتيرة الاستثمار، بل في ضمان شروط تنافسية حقيقية تُمكِّن من تعظيم أثر كل درهم يُنفق من المال العام. فرفع مستوى المنافسة، وتعزيز الشفافية، وتفكيك مظاهر التركّز المفرط، ليست شعارات تنظيمية، بل شروط أساسية لتحويل البنية التحتية من مجرد أوراش إسمنت وحديد، إلى رافعة إنتاجية مستدامة.
إن التنمية التي لا تُصحح اختلالات السوق قد تنجح في تشييد الجسور والطرق، لكنها قد تعجز عن بناء اقتصاد أكثر عدالة وفعالية. ومن هنا، يصبح إصلاح بنية الأسواق مكملاً لا غنى عنه لسياسات الاستثمار، حتى لا تبقى الطفرة العمرانية مجرد صورة براقة تخفي وراءها كلفة احتكار صامتة، تتحملها في النهاية المالية العمومية والمواطن على حد سواء.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *