سطات بين سؤال التنمية ومقتضيات الدستور: هل آن أوان الزيارة الملكية؟

سطات بين سؤال التنمية ومقتضيات الدستور: هل آن أوان الزيارة الملكية؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

في مدينة سطات، لا يرتفع صوت المواطنين اليوم طلبًا لامتياز، ولا سعيًا وراء التفاتة بروتوكولية عابرة، بل تعبيرًا عن قلقٍ عميق تجاه مسار تنموي يعرف تعثرًا ملحوظًا وتراجعاتٍ تمسّ جوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يكفلها الدستور. إن مطلب زيارة ملكية ليس مجرد نداء رمزي، بل هو استدعاء سياسي وأخلاقي لروح الوثيقة الدستورية لسنة دستور 2011، التي جعلت من ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة لا استثناء.
أيُّ معنى للتنمية إن كانت البنية التحتية تتآكل، والخدمات العمومية تتراجع، والوعود تتراكم دون أثر ملموس في الواقع؟
وأيُّ جدوى من البرامج والمخططات إن ظل المواطن يشعر بأن الفجوة بين النص الدستوري والممارسة اليومية تتسع بدل أن تضيق؟
ثم كيف يمكن الحديث عن جهوية متقدمة، في ظل اختلالات في التدبير المحلي تُفرغ هذا الورش الاستراتيجي من روحه الإصلاحية؟
إن مدينة سطات، بما تحمله من رمزية تاريخية وموقع استراتيجي، لم تعد تطالب بالشعارات، بل بتفعيل فعلي لمقتضيات الحكامة الجيدة المنصوص عليها في الفصل الأول من الدستور، حيث تُعتبر الجهوية المتقدمة خيارًا لا رجعة فيه. لكن هل تُمارس هذه الجهوية وفق فلسفة التدبير الحر، أم أنها تحوّلت إلى واجهة شكلية تخفي أعطابًا بنيوية في التخطيط والتنفيذ والمراقبة؟
في سياق كهذا، يبرز سؤال المساءلة:
من يتحمل مسؤولية تعثر المشاريع؟
أين هي تقارير التقييم والمراقبة؟
هل تُفعّل آليات الديمقراطية التشاركية كما ينص عليها الدستور، أم أن المواطن لا يُستحضر إلا في موسم الانتخابات؟
ليست الزيارة الملكية، التي يطالب بها جزء من ساكنة سطات، غاية في حد ذاتها؛ بل هي وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، ووقفة تأمل في مسار مدينة يبدو أنها خرجت عن سكة الطموح التنموي الذي رسمته التوجيهات الملكية في غير ما مناسبة. فالملك، بصفته الضامن لحسن سير المؤسسات والساهر على احترام الدستور، يشكل في المخيال الجماعي للمواطنين مرجعية إصلاح حين تتعثر الوسائط الأخرى.
غير أن السؤال الأعمق يظل:
هل نحتاج دائمًا إلى تدخل مركزي لتصحيح أعطاب محلية؟
أليس في ذلك مؤشر على قصور في ممارسة الاختصاصات المخولة دستوريًا للجماعات الترابية؟
وهل يمكن بناء تنمية مستدامة دون ترسيخ ثقافة التقييم والمحاسبة على المستوى المحلي؟
إن المقاربة الدستورية تقتضي التمييز بين الرمزية السياسية والفعالية المؤسساتية. فالمشكل ليس في غياب النصوص، بل في ضعف تنزيلها. وليس في قلة الموارد فقط، بل في كيفية تدبيرها. التنمية ليست أرقامًا في تقارير رسمية، بل أثرًا محسوسًا في حياة الناس: في جودة الطرق، في نجاعة الخدمات الصحية، في حيوية الاقتصاد المحلي، في ثقة المواطن بمؤسساته.
سطات اليوم تقف أمام مفترق طرق:
إما أن تتحول المطالب إلى فرصة لمراجعة الذات وإعمال مبادئ الشفافية والمساءلة،
وإما أن تستمر حالة الانتظار، حيث تُعلّق الآمال على تدخلات استثنائية بدل ترسيخ قواعد التدبير الرشيد.
الزيارة الملكية، إن تحققت، ينبغي أن تكون لحظة تقييم شاملة، لا فقط لتشخيص الاختلالات، بل لإرساء تعاقد جديد بين المواطن والمسؤول، قوامه الوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أقره دستور 2011. أما إن لم تتحقق، فإن الرهان الحقيقي يبقى على يقظة المجتمع المدني، وجرأة النخب المحلية، ووعي المواطنين بحقوقهم الدستورية.
فهل تتحول سطات إلى نموذج في تصحيح المسار؟
أم تبقى مثالًا على فجوةٍ بين طموح النص وارتباك الممارسة؟
إنها أسئلة مفتوحة، لكنها ضرورية… لأن المدن لا تتراجع فجأة، بل حين نصمت طويلًا عن اختلالاتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *