بين قدسية النص واعتياد المشهد: هل يليق وضع الآيات القرآنية على عربات نقل الموتى؟
حين تمرّ عربة نقل الموتى في أحد الشوارع، يسبقها صمتٌ ثقيل، ويتبعها دعاءٌ خافت في القلوب. وعلى جانبيها أو خلفها، كثيرًا ما نقرأ آياتٍ من القرآن الكريم كُتبت بخطٍ واضح، تذكّر العابرين بالمصير المحتوم. مشهدٌ اعتدناه حتى أصبح جزءًا من ثقافةٍ بصرية مرتبطة بالموت. غير أن الاعتياد لا يمنع السؤال، بل ربما يستدعيه: هل هذا الموضع هو الأنسب لكلام الله؟ وهل حضور الآيات على هذه العربات يُجسّد التعظيم، أم يُعرّض النص – من حيث لا نقصد – لامتهانٍ غير مباشر؟
لا خلاف على قدسية القرآن في وجدان المسلمين، فهو كلام الله الذي يُتلى تعبّدًا، ويُحفظ في الصدور، ويُصان في السطور. وقد درجت الأمة عبر تاريخها على توقيره ظاهرًا وباطنًا: فترفع المصحف عن الأرض، وتتطهر قبل مسّه، وتتجنب وضعه في مواضع قد تُعرضه للأذى أو الامتهان. هذا الحسّ الجمعي بالتعظيم ليس شكليًا، بل نابع من إيمانٍ عميق بأن النصّ ليس كأي نص.
من هنا ينبع جوهر الإشكال: عربة نقل الموتى، مهما كانت وظيفتها نبيلة، تبقى مركبةً تسير في طرقات مزدحمة، تتعرض للأتربة، والعوادم، وتقلبات الطقس. قد تصطدم، وقد تُخدش، وقد تُهمل صيانتها، وقد تُستبدل أو تُباع. الآيات المكتوبة عليها تُغسل بمواد تنظيف صناعية، وربما تُطمس أجزاء منها مع مرور الزمن، فتظهر الكلمات مبتورة أو مشوهة. فهل ينسجم هذا المشهد مع ما نُكنّه من توقيرٍ لكلام الله؟
البعض يرى أن في ذلك تذكيرًا عظيمًا بالموت، وأن رؤية الآية على العربة توقظ القلب الغافل. وهذا مقصد نبيل لا يُنكر. غير أن السؤال الأعمق ليس عن النية، بل عن المآل. كم من العابرين يقرأون الآية فعلًا؟ وكم منهم يتدبرها؟ وكم صارت الكلمات جزءًا من خلفيةٍ مألوفة لا تُثير في النفس أكثر من نظرةٍ عابرة؟
الخطر لا يكمن في الكتابة ذاتها بقدر ما يكمن في اعتياد المقدّس حتى يفقد أثره. حين تتحول الآية إلى عنصرٍ زخرفي ثابت، يُرى كل يوم وفي كل سياق، قد تفقد شيئًا من رهبتها في القلوب. إن قدسية النص لا تُختزل في حضوره البصري، بل في حضوره الواعي داخل النفس. والفرق كبير بين أن تُتلى الآية في لحظة خشوع، وبين أن تمرّ أمامك وأنت منشغل بضجيج الطريق.
ثم إن ربط الآيات بعربات الموتى حصرٌ غير مقصود للقرآن في سياقٍ واحد: سياق الفقد والنهاية. بينما القرآن كتاب حياةٍ وهداية، يتنزل على تفاصيل العيش قبل تفاصيل الرحيل. حين يُختزل حضوره في مشهد الموت، قد يتسلل إلى الوعي الجمعي تصورٌ ضمني بأن علاقته الأساسية بالإنسان تبدأ عند الوداع، لا عند البناء والعمل والسعي.
ومن زاويةٍ أخرى، ثمة بعدٌ فقهي وأخلاقي يتعلّق بصون النص من الامتهان. الفقهاء شددوا على ضرورة صيانة الآيات من المواضع التي قد تتعرض فيها للنجاسة أو الإهانة أو الاستخدام غير اللائق. ورغم أن عربة نقل الموتى ليست موضع امتهانٍ بذاتها، فإن طبيعتها المتحركة، وتعرضها للظروف المختلفة، يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه تمامًا أمام صورٍ من الإهمال أو الإساءة غير المقصودة.
المسألة هنا ليست اتهامًا لأحد، ولا تشكيكًا في نيات الناس، بل دعوة إلى مراجعةٍ هادئة. المجتمعات تتوارث عاداتٍ بحسن قصد، ثم يأتي وقتٌ تُسائل فيه نفسها: هل ما نفعله هو الأفضل فعلًا؟ هل يُعبّر هذا السلوك عن أعلى درجات التعظيم، أم أنه مجرد ممارسةٍ ألفناها فلم نعد ننتبه إلى ما يحيط بها من ملابسات؟
إن تعظيم القرآن لا يكون بتكثير حضوره الشكلي في كل موضع، بل باختيار المواضع التي تليق بجلاله. وقد يكون الامتناع عن كتابة الآيات في أماكن عُرضةٍ للتلف والابتذال صورةً أصدق من صور الاحترام. فالمراجعة ليست انتقاصًا، بل هي أحيانًا ارتقاءٌ في الفهم، وحرصٌ على أن يبقى النص في مقامه الأعلى، بعيدًا عن كل ما قد يُنقص من هيبته، ولو من غير قصد.

