كبرها تصغار!!
بعد 47 سنة من المخططات المعادية والمناوئة، يتساءل الكل عن السبب الرئيس وراء التحول التاريخي في موقف إسبانيا إزاء قضية الصحراء المغربية، وكذا عن السر في اختيار هذا التوقيت بالذات للتعبير عن دعمها العلني والصريح لمبادرة الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 لتسوية نزاع الصحراء.
لا مناص من أن الحرب الدائرة في أوكرانيا حاليا بين الغرب وروسيا، وما تخلفه يوميا من آثار وخيمة على الاقتصادات العالمية، جعلت غرب أوروبا يمر للسرعة القصوى للبحث عن شراكات بديلة ومضمونة، وإعادة ترتيب الأوراق الاقتصادية لاسيما مايتعلق بالأمن الطاقي خصوصا وأن روسيا التي تعتبر المؤمن الأساسي لاحتياجات السوق الأوروبية من الغاز بنسبة 40٪، صارت شريكا غير موثوق به في ظل تهديدات ساكن قصر الكرملين بإيقاف حصة أوروبا من الإمدادات الطاقية.
ولعل إعلان الرباط الأخير بدخول المغرب لنادي الدول المنتجة للغاز الطبيعي المسال بعد الاكتشافات الواعدة في مناطق التنقيب البحري والبري بسواحل أكادير، وليكسوس، وتندرارة، جعل إسبانيا تسارع الزمن أكثر من أي وقت مضى لتثبيت وضمان شراكات استراتيجية جديدة مبنية على الثقة والاستمرارية، خصوصا بعد امتعاض مدريد من توقف الأنبوب الأوروبي-المغاربي المار من المغرب، على إثر قرار السلطات الجزائرية توريد غازها عبر الأنبوب الجديد MED GAZ، وهو ما ترتب عنه وفق تقارير صحفية إسبانية تسجيل تأخر في التدفقات وضعف في الإمدادات الغازية.
ليست وحدها المطامع الغازية والطاقية، من تفرض على الطرف الإسباني حتمية التوافق؛ فحتى الأمن الغذائي والسيادة الفلاحية تزكي هذا التوجه. فمملكة إسبانيا التي تمتلك حوالي 20.6 مليون هكتار من مساحتها الإجمالية البالغة 50.5 هكتار، أي حوالي 40% صالحًا للزراعة، ومع دنو شبح مجاعة عالمية جراء ارتفاع أسعار الأسمدة باعتبارها أوكسجين الزراعة، ستكون أمام اختبار تأمين مخزونها الاستراتيجي من الأسمدة، وعندما نتحدث عن الأسمدة فلابد أن نشير أن الفوسفاط هو العنصر الأساسي في تصنيعها.
وبما أن المملكة المغربية، تمتلك 75٪ من احتياطي الفوسفاط، وفي الوقت الذي أعلنت فيه مجموعة من الشركات ومصانع الأسمدة إفلاسها، واقتراب أخرى من الإفلاس، تتوجه بوصلة العالم نحو المغرب، وبالتالي سيصبح مصير إسبانيا وعدد من الدول بين يديه.
لقد كان المغرب واضحا بخصوص التوجهات التي يريدها في المعاملات الاقتصادية والتجارية، حيث أن الملك محمد السادس، أكد على ذلك بشكل صريح في خطاب الذكرى ال 46 للمسيرة الخضراء، حين قال أن المغرب لن يقوم مع أصحاب المواقف الغامضة أو المزدوجة، بأي خطوة اقتصادية أو تجارية، لا تشمل الصحراء المغربية.
بقدر ما نثمن الموقف الإسباني تجاه القضية الوطنية، بما قدر ما ندعو الدول الحليفة والشريكة كفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وغيرها إلى الخروج من منطقة الظل وتحديد موقفها من الملف، والكف عن نهج سياسة اللعب على الحبلين.

