حين يدخل الجنرال إلى المستشفى: هل يُعاد تعريف الإصلاح الصحي في المغرب؟

حين يدخل الجنرال إلى المستشفى: هل يُعاد تعريف الإصلاح الصحي في المغرب؟
بقلم الدكتور عبدالإله طلوع، كاتب رأي 
  1. ليس تعيين مسؤولين عسكريين على رأس مؤسسات صحية استراتيجية مجرد إجراء إداري عادي، بل هو مؤشر عميق على تحول في فلسفة تدبير قطاع يُفترض أنه من أكثر القطاعات التصاقًا بالبعد الاجتماعي والإنساني. حين يتم تعيين الكولونيل ماجور كمال الدغمي مديرًا لوكالة الدم ومشتقاته، والجنرال طارق الحارثي مديرًا للمجموعات الصحية بسوس ماسة بظهير شريف، فنحن أمام لحظة سياسية-مؤسساتية تستحق القراءة بما يتجاوز ظاهرها التنظيمي.

أول ما يكشفه هذا القرار هو أن الدولة أعادت تصنيف قطاع الصحة ضمن مجالات السيادة الاستراتيجية، حيث لم يعد مجرد قطاع خدماتي، بل أصبح مرتبطًا بالأمن الصحي الوطني، بما يحمله ذلك من رهانات تتعلق بالاستقرار المجتمعي والجاهزية المؤسساتية. فهل نحن أمام انتقال من منطق “تدبير المرفق العمومي” إلى منطق “تأمين الأمن الصحي”؟ وهل يعني ذلك أن الصحة لم تعد فقط مسؤولية وزارة، بل قضية دولة بكل أجهزتها؟

إن اللجوء إلى بروفايلات عسكرية لتدبير أوراش صحية كبرى يحمل في طياته رسائل متعددة. أولها أن الدولة تبحث عن الكفاءة المقترنة بالصرامة، وعن القدرة على التنفيذ السريع في مواجهة اختلالات بنيوية طال أمدها. فالمؤسسة العسكرية، بحكم تكوينها، تقوم على الانضباط، وضبط الزمن، والتدخل في حالات الطوارئ، وهي خصائص قد تبدو مغرية في قطاع يعاني من بطء إداري مزمن وتعقيد في المساطر.

لكن، هل يكفي نقل هذه الخصائص إلى المجال الصحي لضمان نجاح الإصلاح؟

وهل يمكن لمنطق القيادة العسكرية أن ينسجم مع طبيعة المرفق الصحي القائم على القرب، والتواصل، والبعد الإنساني؟

ثم، هل نحن أمام تكامل وظيفي بين المدني والعسكري، أم بداية لتحول أعمق في نمط الحكامة؟

لا شك أن التجارب المقارنة أظهرت أن تدبير الأزمات الصحية الكبرى، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19، كشف عن أهمية الحضور العسكري في دعم المنظومة الصحية، سواء على مستوى اللوجستيك أو التنظيم أو الاستجابة السريعة. لكن تحويل هذا الحضور الظرفي إلى خيار استراتيجي دائم يطرح أسئلة دقيقة حول الحدود الفاصلة بين الأدوار.

من زاوية أخرى، يعكس هذا التوجه رغبة واضحة في الاستفادة من الخبرات الميدانية التي راكمها المسؤولون العسكريون في إدارة منظومات معقدة، حيث يكون الخطأ مكلفًا، والزمن حاسمًا. فهل تراهن الدولة على “عقلنة” القطاع الصحي عبر استيراد نموذج تدبيري أكثر صرامة؟ وهل هذا الاختيار هو إعلان ضمني عن فشل النماذج التقليدية في تحقيق النجاعة المطلوبة؟

ثم إن الجمع بين الانضباط العسكري والخبرة العلمية يطرح بدوره سؤالًا مركزيًا:

هل يمكن بناء نموذج هجين يجمع بين الصرامة والمرونة؟ بين السرعة في الإنجاز وضمان جودة الخدمات؟

أم أن الخطر يكمن في تغليب منطق الأوامر على حساب منطق المشاركة داخل المؤسسات الصحية؟

إن ما يجعل هذا التحول أكثر دلالة هو سياقه العام، حيث يندرج ضمن ورش إصلاح شامل للمنظومة الصحية الوطنية، بما يتطلبه من إعادة هيكلة عميقة، ليس فقط على مستوى البنيات، بل أيضًا على مستوى العقليات وأنماط التدبير. وهنا، يصبح التعيين بظهير شريف رسالة سياسية قوية مفادها أن الدولة قررت تسريع وتيرة الإصلاح، وتجاوز منطق التدرج البطيء نحو منطق الحسم والفعالية.

غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا:

هل الإصلاح الحقيقي يكمن في تغيير الأشخاص، أم في تغيير المنظومة؟

وهل يمكن للصرامة وحدها أن تعالج أعطابًا هيكلية مرتبطة بالتمويل، والموارد البشرية، والحكامة؟

ثم، ما موقع الفاعل الصحي المدني داخل هذا التحول؟ هل سيتم تمكينه، أم تهميشه؟

إن اعتبار الصحة قضية أمن قومي يحمل في طياته بعدًا إيجابيًا، يتمثل في رفع منسوب الاهتمام السياسي والمؤسساتي بالقطاع، لكنه في الآن ذاته يستدعي يقظة ديمقراطية لضمان ألا يتحول هذا المنطق إلى مبرر لتغليب المقاربة الأمنية على حساب المقاربة الحقوقية.

في النهاية، لا يمكن قراءة هذه التعيينات بمعزل عن سؤال أعمق:

أي نموذج صحي نريد للمغرب؟

هل نبحث عن منظومة فعالة فقط، أم عن منظومة عادلة أيضًا؟

وهل يمكن تحقيق النجاعة دون إشراك الفاعلين، وتحفيز الموارد البشرية، وبناء الثقة مع المواطن؟

إن دخول الجنرال إلى المستشفى ليس مجرد حدث إداري، بل هو لحظة دالة على تحول في تصور الدولة لدورها، ولطبيعة التحديات التي تواجهها. وبين من يرى في ذلك فرصة للإصلاح الحاسم، ومن يتخوف من تغليب منطق الصرامة على روح المرفق العمومي، يبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق التوازن:

بين الحزم والإنصاف،

بين السرعة والجودة،

وبين الدولة القوية… والمجتمع الواثق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *