من مغرب السرعتين إلى مغرب العدالة الترابية: حين تعيد الدولة ترتيب أولوياتها
لم يكن المجلس الوزاري الأخير مجرد محطة مؤسساتية عادية في سيرورة تدبير الشأن العام، بل شكل لحظة مفصلية تعكس تحولا عميقا في فلسفة الدولة تجاه التنمية الترابية، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بإطلاق برامج أو ضخ اعتمادات مالية، بل بإعادة بناء تصور شامل للعلاقة بين المركز والمجال، وبين القرار العمومي وحاجيات المواطنين.
إن ما يلفت الانتباه في هذا التوجه الجديد هو الانتقال الواضح من منطق التخطيط المركزي إلى منطق “الهرم المقلوب”، حيث يصبح المحلي هو نقطة الانطلاق، وليس مجرد مجال للتنفيذ. وهذا التحول ليس تقنيا فقط، بل هو تحوّل في جوهر الفعل العمومي، يعكس إدراكا متقدما بأن التنمية لا يمكن أن تُفرض من الأعلى، بل تُبنى من داخل المجالات، وفق خصوصياتها وانتظارات ساكنتها.
لقد ظل المغرب، لعقود، يعيش على إيقاع ما يمكن تسميته بـ”مغرب السرعتين”، حيث تتقدم بعض الجهات بوتيرة متسارعة، بينما تظل أخرى عالقة في هامش التنمية، وهو ما أنتج اختلالات مجالية واضحة، ليس فقط على مستوى البنيات التحتية، بل أيضا على مستوى الولوج إلى الخدمات الأساسية، من صحة وتعليم وماء وفرص الشغل.
وفي هذا السياق، فإن تخصيص غلاف مالي ضخم يصل إلى حوالي 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات، لا يمكن قراءته فقط كرقم اقتصادي، بل كاختيار استراتيجي يعكس إرادة سياسية قوية لإعادة التوازن المجالي، وبناء مغرب موحد في وتيرة تنميته. فحين تضخ الدولة ما يقارب 26 مليار درهم سنويا في برامج التنمية الترابية، فإنها لا تمول مشاريع فقط، بل تعيد رسم خريطة الفرص داخل الوطن.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الورش لا تكمن فقط في حجمه المالي، بل في الهندسة المؤسساتية التي ترافقه. فالمصادقة على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، وتقوية اختصاصاتها ومواردها، يعكس وعيا بأن التنمية الترابية لا يمكن أن تنجح في ظل جهات ضعيفة أو مقيدة. إن الرهان هنا هو بناء “جهة قوية”، قادرة على التخطيط، والتمويل، والتنفيذ، والتقييم، في إطار من المسؤولية والمحاسبة.
كما أن تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، ليس مجرد إجراء تقني، بل هو خطوة نحو عقلنة التدبير، وتسريع وتيرة الإنجاز، وإدخال منطق النجاعة والفعالية إلى قلب العمل الترابي. فالمشكل في كثير من الأحيان لم يكن في نقص الموارد، بل في بطء المساطر، وتعقيد الإجراءات، وضعف التنسيق بين المتدخلين.
ومن زاوية أعمق، فإن هذا التوجه يعكس انتقالا من “الفهم الجديد للسلطة” إلى “الفهم الجديد للتراب”، حيث لم يعد التراب مجرد مجال جغرافي، بل أصبح فاعلا في إنتاج السياسات العمومية، وشريكا في تحقيق التنمية. وهذا التحول ينسجم بشكل واضح مع الدينامية التي يعرفها المغرب في أقاليمه الجنوبية، والتي أصبحت نموذجا في الربط بين الاستثمار، والبنية التحتية، والتنمية الاجتماعية.
بل إن هذا المسار يكتسي بعدا استراتيجيا أكبر، حين نربطه بالرهانات المرتبطة بالحكم الذاتي، حيث لا يمكن الحديث عن نموذج ناجح دون تعميم شروط التنمية المتوازنة على مجموع التراب الوطني. فمغرب بسرعتين، أو بثلاث سرعات، لا يمكن أن يؤسس لنموذج جهوي متماسك، ولا أن يعزز موقعه في محيطه الإقليمي والدولي.
ومن هنا، فإن خارطة الطريق الجديدة، الممتدة إلى أفق 2035، لا تندرج فقط ضمن الزمن الحكومي أو الانتخابي، بل تتجاوزهما نحو زمن استراتيجي طويل، يتطلب استمرارية في السياسات، والتزاما مؤسساتيا عابرا للولايات. وهذا في حد ذاته مؤشر على نضج في التفكير العمومي، الذي بدأ يتحرر من منطق التدبير الظرفي، نحو منطق البناء التراكمي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن البرامج أو رصد الاعتمادات، بل في القدرة على التنزيل الفعلي، وهنا تبرز أهمية آليات التتبع والتدقيق السنوي، وكذا المنصات الرقمية للشفافية، التي من شأنها أن تعزز ثقة المواطنين، وتفتح المجال أمام رقابة مجتمعية حقيقية على تنفيذ المشاريع.
إن المواطن اليوم لم يعد يكتفي بالخطاب، بل ينتظر الأثر الملموس في حياته اليومية: مستشفى قريب، مدرسة ذات جودة، طريق معبدة، وفرصة شغل تحفظ الكرامة. وهنا فقط يمكن الحديث عن نجاح التنمية الترابية، حين تتحول الأرقام إلى واقع، والسياسات إلى نتائج.
كما أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى قدرة النخب المحلية على الارتقاء إلى مستوى هذه المرحلة، لأن الجهوية ليست فقط اختصاصات وموارد، بل هي أيضا كفاءات ورؤية وجرأة في اتخاذ القرار. فبدون نخب قادرة على التدبير، قد تتحول الفرص إلى هدر جديد للزمن التنموي.
وفي هذا الإطار، فإن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق التوازن بين السرعة في الإنجاز، وضمان الجودة والنجاعة، لأن التنمية السريعة التي لا تراعي الاستدامة قد تعيد إنتاج نفس الاختلالات في شكل جديد.
كما أن تقليص الفوارق المجالية لا يجب أن يُفهم فقط في بعده الاقتصادي، بل أيضا في بعده الاجتماعي والثقافي، لأن التنمية الحقيقية هي التي تضمن تكافؤ الفرص، وتعزز الإحساس بالانتماء، وتحد من الإقصاء والتهميش.
إن ما يؤسس له هذا المجلس الوزاري هو بداية مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من مغرب متعدد السرعات إلى مغرب العدالة الترابية، حيث لا يكون موقع المواطن الجغرافي محددا لمصيره الاجتماعي.
مرحلة تضع التراب في قلب السياسات العمومية، وتمنح الجهات دورا حقيقيا في صناعة التنمية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة في بعدها العملي.
مرحلة تعيد الثقة في الفعل العمومي، وتفتح أفقا جديدا أمام مغرب يسير بخطى أكثر توازنا نحو المستقبل.
فهل نكون أمام لحظة تأسيس حقيقية لنهاية مغرب السرعتين؟
أم أن التحديات التقليدية ستعيد إنتاج نفسها في ثوب جديد؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنوات القادمة… حين تتحول النوايا إلى أفعال، والبرامج إلى واقع، والتنمية إلى عدالة.

