طلوع يفكك مضامين مشروع قانون مهنة المحاماة: بين هندسة الاحتراف ومخاوف الإقصاء
ليس من قبيل الصدفة أن يثير مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة كل هذا الجدل،
فالقانون هنا لا ينظم مهنة فقط،
بل يعيد رسم حدود السلطة الرمزية داخل المجتمع،
ويعيد تعريف من يملك حق الدفاع،
ومن يُسمح له بالولوج إلى فضاء العدالة.
إن مشروع القانون 66.23 لا يمكن قراءته قراءة تقنية محضة،
بل يستدعي قراءة سياسية وسوسيولوجية عميقة،
لأنه يؤشر على تحول في تصور الدولة لوظيفة المحامي،
من فاعل مستقل داخل الحقل القضائي،
إلى فاعل مؤطر ضمن هندسة مؤسساتية صارمة.
أول ما يستوقف في المشروع هو شرط الماستر،
الذي يبدو في ظاهره رفعاً من جودة التكوين،
لكنه في العمق يعكس نزوعاً نحو “نخبوية مهنية” مقننة،
تقصي فئات واسعة من حاملي الإجازة،
وتربط الولوج بالقدرة على استكمال مسار جامعي طويل ومكلف.
فهل نحن أمام تجويد حقيقي للمهنة،
أم أمام إعادة إنتاج لانتقائية اجتماعية ناعمة؟
ثم يأتي شرط السن،
الذي يحدد سقف الأربعين سنة،
ليغلق الباب أمام مسارات التحول المهني،
وكأن المشرع يعلن أن المحاماة ليست مجالاً لإعادة بناء الذات،
بل مساراً مغلقاً يبدأ مبكراً وينتهي وفق قواعد محددة سلفاً.
إن هذا التحديد الزمني يطرح سؤال العدالة المهنية،
هل العمر معيار للكفاءة؟
أم أن الكفاءة نتاج تجربة قد لا تعترف بالعمر أصلاً؟
أما إحداث معهد لتكوين المحامين،
فهو تحول نوعي في هندسة التكوين،
ينقل المهنة من منطق التلقين داخل المكاتب،
إلى منطق التأطير المؤسساتي.
غير أن هذا التحول يثير إشكالاً آخر،
هل سيشكل المعهد فضاءً للتميز،
أم آلية جديدة للانتقاء والتحكم؟
في مستوى التمرين،
نجد تقنيناً دقيقاً للمسار،
لكن مع تقليص واضح لهامش المبادرة لدى المحامي المتمرن،
خصوصاً في منعه من الترافع أمام محاكم الاستئناف في البداية،
وهو ما قد يحد من اندماجه السريع في الممارسة الفعلية.
أما حالات التنافي،
فتعكس رغبة قوية في حماية استقلالية المهنة،
لكنها في الوقت ذاته تضيق الخناق على المحامي،
وتمنعه من تنويع مصادر دخله،
في سياق اقتصادي يعرف هشاشة واضحة.
فهل الاستقلالية هنا حماية للمهنة،
أم عبء إضافي على المحامي؟
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الموكل،
يقدم المشروع خطوة مهمة عبر فرض التكليف المكتوب،
وهو إجراء يعزز الشفافية،
ويحد من النزاعات حول الأتعاب،
لكنه في الوقت نفسه يحول العلاقة إلى تعاقد صارم،
قد يفقدها بعدها الإنساني.
أما السر المهني،
فقد تم التشديد عليه بشكل واضح،
خصوصاً في القضايا الزجرية،
وهو ما يعكس وعياً بخطورة تسريب المعطيات،
لكن السؤال يبقى:
كيف يمكن التوفيق بين السرية وحق المجتمع في المعرفة؟
في جانب آخر،
يفتح المشروع الباب أمام المحامين الأجانب،
لكن بشروط صارمة،
تعكس توازناً بين الانفتاح وحماية السيادة المهنية.
غير أن منح وزير العدل سلطة الترخيص الاستثنائي،
يطرح إشكالاً حول حدود السلطة التنفيذية،
داخل مجال يفترض فيه الاستقلال.
أما المساطر التأديبية،
فقد تم تعزيزها بشكل واضح،
مع تشديد العقوبات،
خصوصاً في ما يتعلق بالسمسرة وانتحال الصفة.
وهنا يبدو أن المشرع يسعى إلى تنظيف المهنة من الشوائب،
لكن عبر مقاربة زجرية قد تتحول إلى أداة للضبط المفرط.
وفي تنظيم الهيئات،
نجد محاولة لترسيخ الحكامة،
من خلال تحديد مدة ولاية النقيب،
وتعزيز التمثيلية النسائية.
غير أن هذه المقتضيات تطرح سؤال الديمقراطية الداخلية،
هل تكفي النصوص لضمان التداول؟
أم أن الثقافة المهنية هي الحاسمة؟
إن مشروع القانون،
في مجمله،
يؤسس لمرحلة جديدة من “مأسسة المحاماة”،
حيث تصبح المهنة أكثر تقنيناً،
وأكثر خضوعاً لمنطق المعايير.
لكن هذا التحول يحمل مفارقة عميقة،
فكلما زادت المأسسة،
تراجع هامش الحرية.
وكلما تعززت المعايير،
برز خطر الإقصاء.
فهل نحن أمام تحديث ضروري،
أم أمام عقلنة مفرطة قد تخنق روح المهنة؟
إن المحاماة،
ليست مجرد مهنة،
بل هي وظيفة اجتماعية،
تتطلب توازناً دقيقاً بين الحرية والانضباط،
بين الاستقلالية والمسؤولية.
وأي اختلال في هذا التوازن،
قد يحول المحامي من مدافع عن الحقوق،
إلى مجرد فاعل تقني داخل منظومة مغلقة.
لذلك،
فإن النقاش حول هذا المشروع،
لا ينبغي أن يختزل في تفاصيل تقنية،
بل يجب أن يرتقي إلى سؤال جوهري:
أي محامٍ نريد؟
وأي عدالة نؤسس لها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال،
هي التي ستحدد ما إذا كان هذا المشروع
خطوة نحو التقدم،
أم مجرد إعادة ترتيب للقيود.

