تجديد النخب في تدبير الشأن العام والترابي : حتمية ديمقراطية ورهان للاستحقاقات القادمة.

تجديد النخب في تدبير الشأن العام والترابي : حتمية ديمقراطية ورهان للاستحقاقات القادمة.
متابعة مجلة 24

_ ​مقدمة : من التراكم إلى التجديد ​لم يعد تجديد النخب في تدبير الشأن العام والشأن الترابي مجرد ترف سياسي أو شعار انتخابي، بل أضحى ضرورة بنيوية لتحقيق النجاعة والفعالية في الأداء العمومي. فالعالم اليوم، وبلدنا بالخصوص، يواجه تحديات معقدة تتطلب عقولا وإرادات قوية قادرة على فهم التحولات الرقمية، الاقتصادية، الاجتماعية السياسية والبيئية.

وفي هذا السياق، تمثل الاستحقاقات القادمة في المغرب محطة مفصلية لإعادة ضخ دماء جديدة في شرايين المؤسسات، ومنح النخب الصاعدة فرصة لبلورة رؤى ابتكارية تتجاوز الأنماط التقليدية في التدبير والتسيير.

_ ​أولا، أبعاد وأهمية تجديد النخب.​ضمان الفعالية والابتكار التدبيري :

يسمح تجديد النخب بكسر الركود الإداري والسياسي، من خلال إدماج كفاءات شابة ومهنية قادرة على تطويع التكنولوجيا الحديثة وأساليب الحكامة الجيدة في خدمة المواطن وابتكار حلول ومخارج عبر الذكاء الجماعي لمعيقات التنمية الترابية والمستدامة.

_ ​تكريس التداول الديمقراطي :

يعتبر التجديد هو الضمانة الوحيدة لمنع احتكار السلطة ومراكز القرار، حيث أن تداول المهام والمسؤوليات يعزز من حيوية المؤسسات ويمنحها الشرعية المتجددة أمام الرأي العام ويمنحها الثقة اكثر لدى عموم المواطنات والمواطنين.

​ترميم الثقة بين المواطن والمؤسسات : غالبا ما يؤدي استمرار نفس الوجوه في تدبير الشأن المحلي إلى نوع من العزوف السياسي وضعف الثقة في الفعل العمومي. لذا فإن بروز وجوه جديدة ببرامج واقعية يساهم في إعادة بناء جسور الثقة وتشجيع المواطنين على الانخراط في العملية الانتخابية، وتشجيع النخب الشابة على المشاركة السياسية والانخراط في الفعل السياسي واعطلء مصداقية اكثر للعملية السياسية والانتخابية

_ الاستجابة لمتطلبات الجهوية المتقدمة :

إن مسألة التدبير الترابي اليوم يتطلب اكثر من اي وقت سابق نخبا تمتلك هندسة مجالية قادرة على استثمار الموارد المحلية وتحويل الجهات إلى أقطاب اقتصادية تنافسية قوية ومبادرة.

_ ​ثانياً : العوائق البنيوية والمقاومات الاجتماعية والسياسية ​على الرغم من أهمية التجديد، إلا أن الطريق لا يزال مليئا بالتحديات الصعبة مثل :

_ ​ثقافة المحافظة السياسية :

تقاوم بعض النخب التقليدية التغيير حفاظا على مكتسباتها وشبكات مصالحها، مما يخلق عائقا أمام صعود الكفاءات.

​معضلة الخبرة مقابل الحماس :

غالبا ما تتهم النخب الجديدة بقلة التجربة في الإدارة والتسيير، واكراهات التدبير العمومي والترابي، وهو ما يستوجب وجود فترة انتقالية أو آليات مواكبة لتأهيل النخب ومساعدتها على الابداع والابتكار ضمنا للنجاعة والفعالية المطلوبتين في الوقا الراهن.

​ضعف التنشئة السياسية : تعاني بعض الأحزاب من غياب مشاتل حقيقية لتكوين القيادات والكوادر الشابة، مما يجعل عملية التجديد أحيانا عملية صعبة، نظرا لوجود الخلف الذي يضمن التشبيب على مستوى القيادات والمسؤوليات، لكن تبقى ضرورة ضخ دماء جديدة في شرايين التدبير العمومي والترابي مسألة ملحة، وراهن سياسي ومجتمعي.

ولذلك فإن أهمية تجديد النخب مسألة استراتيجية لتحقيق النجاعة والفعالية لكونه يسمح بإدخال أفكار وخبرات جديدة، مما يعزز نجاعة و فعالية الأداء العمومي والترابي، حيث أن تجديد النخب يسمح بتداول المهام والمسؤوليات، مما يعزز الديمقراطية والشفافية في تدبير الشأن العام والترابي، كما ان هذا التجديد يسمح ايضا للنخب الجديدة بإظهار قدراتها وفهمها لقضايا الشأن العام محليا وعلى المستوى الوطني، ناهيك على انه سيسمح بتعزيز المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام والترابي عبر الاشراك الواسع لمختلف الفاعلين والمتدخلين.

اننا نطرح هذا المساهمة المتواضعة لطاولة النقاش العمومي وواعين تمام الوعي بالتحديات المطروحة امام هذا الاختيار، انطلاقا مما يلي :

1_ ان النخب الجديدة قد تفتقر إلى الخبرة اللازمة لتدبير الشأن العام والترابي.

2_ المقاومة للتغيير :

ذلك ان بعض النخب القديمة قد تقاوم التغيير وتعيق عملية تجديد النخب في بعض الاحيان بسبب الوصاية على الشباب او بسبب عدم الفهم الصحيح لهذا الاختيار الاستراتيجي.

3_ عدم وجود آليات فعالة : إن عدم وجود آليات فعالة لتدريب وتأهيل النخب الجديدة قد يعيق عملية تجديد النخب وتأهيلها بالشكل الذي يجعلها قادرة على خوض هذا التحدي دون صعوبات وعراقيل.

ان استحضار كل هذه الاكراهات والصعوبات التي ذكرنا آنفا، تسلتزم من الفاعلين السياسيين والحزبيين والعموميين، إبداع وخلق آليات لتعزيز تجديد النخب، من خلال إنشاء آليات لتدريب وتأهيل النخب الجديدة لتعزيز قدراتها وفهمها لقضايا الشأن العام والترابي بالشكل الجيد والعميق، إضافة الى تعزيز الشفافية والمساءلة في تدبير الشأن العام والترابي لضمان نجاعة وفعالية الأداء، مع تشجيع المشاركة المواطنة، عبر ابداع اشكال متنوعة من الاشراك الفعال والحقيقي في تدبير الشأن العام والترابي لتعزيز الديمقراطية والشفافية.

على سبيل الخلاصة :

إن هندسة النخب في السياقات السياسية والإدارية المعاصرة تقتضي ميثاق وطني لتجديد النخب وتحقيق الفعالية الترابية

​بناءً على ما سبق، يمكن القول إن تجديد النخب لم يعد مجرد ترف فكري أو ضرورة عددية تمليها الدورات الانتخابية، بل هو خيار استراتيجي حتمي لفك الارتباط مع أنماط التدبير التقليدية التي استنفدت أغراضها ومهامها.

إن الانتقال من “نخب الاستمرارية” إلى “نخب الأداء” يستوجب مقاربة شمولية تتجاوز مجرد التشخيص إلى هندسة حلول عملية تضمن الانتقال السلس والمثمر للسلطة والمسؤولية، و​لتحويل هذا الاختيار إلى واقع ملموس، لا بد من التركيز على ثلاث حلقات أساسية :

​مأسسة التمكين المعرفي : لا يكفي فقط إفساح المجال للشباب والنخب الجديدة، بل يجب إحداث أكاديميات تدبيرية تابعة للأحزاب والمؤسسات العمومية، تعنى بصقل المهارات في مجالات الذكاء الترابي، والتدبير القائم على النتائج، والتحول الرقمي، لضمان سد فجوة نقص الخبرة التي تتخذ أحيانا ذريعة للإقصاء. لذلك فإن​ إرساء ثقافة التدبير بالنتائج يقتضي تعزيز الشفافية والمساءلة مما يحول تجديد النخب من مغامرة سياسية إلى عملية عقلانية، فعندما يصبح الأداء هو المعيار الوحيد للبقاء أو التغيير، تسقط تلقائيا جيوب المقاومة التي تعتمد على الوصاية التاريخية أو “الشرعية التقليدية”.

كما ان هذا الامر يقتضي بالضرورة ايضا، إشراك المواطن في تدبير الشأن الترابي، لانه ليس مجرد إجراء ديمقراطي فقط، بل هو آلية للرقابة الشعبية تضمن للنخب الجديدة حاضنة مجتمعية تحميها من كوابح التغيير، وتمدها بالمعلومات الدقيقة حول الأولويات بمجالاتها الترابية.

​إن نجاح الرهان على النخب الصاعدة يظل رهينا بمدى قدرة الدولة والمجتمع السياسي على الانتقال من “التجديد الصوري” (تغيير الوجوه) إلى “التجديد الوظيفي” (تغيير مناهج وطرائق العمل)، وبالتالي فهذا الامر يعتبر دعوة لصياغة تعاقد جديد يجمع بين طموح النخب الشابة وحكمة النخب المتمرسة، في إطار من التكامل لا الصراع، بهدف أسمى هو تجويد الخدمة العمومية وتحقيق تنمية ترابية شاملة، عادلة ومستدامة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *