افتتاحية مجلة 24 : سطات مدينة، أهلها من صنعوا مجدها واندحارها
استضافت مجلة 24 تيفي، طالبة باحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، للحديث عن الوضع السياسي بسطات.
طبيعة المقاربة، وأحكام القيمة التي رافقت البرنامج من البداية إلى النهاية، هي التي استدعت مني، تخصيص افتتاحية اليوم لتعميق النقاش في عجالة حول الأفكار وطبيعة التحليل، لدى طلابنا من الجامعة المغربية.
أولا: البحث العلمي، لا ينزلق في تقديم انطباعات بالتفضيل بين أداء المجلس الإقليمي لسطات والمجلس البلدي لنفس المدينة، في انحياز تام للطرف الأول.
ثانيا: تقديم النائب البرلماني للأصالة والمعاصر على أنه يجسد الاتجاه الأمثل في لعب أدوار ممثل الأمة فيه ما فيه.
ثالثا: الاستشهاد بأحمد المنكاد، وإقحامه في قضايا كبرى للمدينة، يؤكد الاستناد إلى الرواية الشفوية التي أريد لها، أن تظل عنصرا فاعلا في المخيل الشعبي، إبان تحكم سياسي معين في البدايات الأولى للمدينة التي أخطأت المواعيد مع عصرنتها.
رابعا: لا نعتقد أن تفسير، تطور العمل الجماعي يمكن استنتاج دروسه وخلاصاته من قراءة في الفصول والبنود القانونية ولا مفهوم الحكامة بقادر على تجلية طبيعة الصراعات التي عرفها تاريخ المدينة.
خامسا: ما وصلت إليه مدينة سطات من نتائج، هي صناعة محلية لأبنائها من فاعلين سياسيين وجمعويين، ومن يريد القفز عن هذا المعطى جاهل أو جاحد أو متنكر لأدائه السياسي. والتاريخ يسجل.
ألم ترث المدينة معمارا كولونياليا، رتب لها، مركزا في وسطها وأحاطه بمرافق للخدمات الاجتماعية، من سوق بلدي ومحطة للحافلات ومركزا للبريد وحانة.. وغرس على جنبات الطريق النخيل وبعض الأشجار التي لازلت إلى أيامنا هذه شاهدة على نواة المدينة الأولى، وجعل من المدينة تحفة على شاكلة المدن الحديثة التي توفر الاستقرار المدني العصري.
ألم تكن في المدينة عائلات عريقة في العلم والتجارة والنضال الوطني؟ ألم تكن هناك طائفة يهودية أثمرت تجربة في التعايش الديني والتسامح؟
ألم يكن في المدينة مناضلون شيوعيون، أسسوا النهضة السطاتية، لتكون غطاء لتمرير المال والسلاح لخلايا المقاومة الوطنية؟
هنا نجد مبررا للبحث العلمي، لتجميع المادة التاريخية والاشتغال عليها، للخروج بإضاءات حول تاريخ تمت إبادة ذاكرته، لأسباب سياسية وأيضا لنزعات شعبوية.
سطات هي جزء لا يتجزأ في قضاياها ومشاكلها من مجوع قضايا المدن المغربية ومن يريد أن يعطي انطباعا غير هذا فهو في غيه يعمه.
من الضروري أن نقف بجرأة على تحليل مواقف الناس والجماعات من العمل السياسي، والذين يقفون بقلوبهم مع علي وبسيوفهم مع معاوية، آسف إنها نخب سياسية، تجري بها الرياح في استبدال المواقع والترحال بين القوى السياسية ، لكنها تطعن في جدوى العمل السياسي، كلما عجزت في الانسجام مع أفكار الحزب الذي تبنت لونه في الانتخابات.
وقفت في وقائع أن بعض المعدودين شفويا على اليسار هبوا ذات انتخابات لنصرة الاتحاد الدستوري، يوم ترشح أخ وزير الداخلية الراحل ادريس البصري. ثم عادوا في الصباح الموالي لإعلان النتائج إلى خطاباتهم المتياسرة، بعد أن حصدوا ثمنا قليلا على سوأتهم.
ظلت النخب السياسية، لزمن طويل تساهم وتستنكر وتستمر في لعبة سياسية، كثيرا ما تم التأثيث لها سرا وعلنا وفي أحيان كثيرة، بالتشارو مع السلطة، كما حدث للمدينة حين أتتها الفرصة كي تقطع أوصال رحم حضنها اليميني، فخان العهد حزب يساري وقلب الكفة نحو اليمين، وفوت على المدينة فرصة تاريخية، في تحقيق التداول السياسي على المدينة، لتجريب فرق المعارضة الوطنية لتدبير الشأن العمومي.
بالرغم من أن محيط المدينة، كان يعمل على ترييفها، سعت وبقوة قرارات فوقية لكي يكون لها ملعب غولف واجتثت الغابة منها في أفق توسعته لتكون به ثمانية عشر حفرة عوض تسعة، فجرت الرياح بها لا تشتهي السفن لا الغابة بقيت ولا الملعب تمت توسعته.
أكانت المدينة في حاجة لمسبح أولمبي كلف ستة مليارات ثم جاءت فورة واد بوموسى، فدبت على الأخضر واليابس وضربت تجهيزات المسبح، التي لم تقو الجماعة التي استدانت ماله من تدبيره.
المسرح البلدي الذي منحت الجماعة الأرض من أجل تشييده، في شراكة مع القطاع الخاص، ظلت جدرانه إلى أيامنا هذه أطلالا. وقصر الثقافة الذي بني في مرحلة محو ذاكرة المدينة لم يتبن أن هندسته غير صالحة لأن يحتضن العروض الثقافية، إلا في مرحلة مـتأخرة فتم استبدال التسمية، ليعود خزانة بلدية ليس إلا.
حين ينتابني قلق التفكير كثيرا فيما ألاحظ وأسمع من كلام الناس عن مدينتهم، غالبا ما تستهويني هذه العبارة سطات يصطي. وكثرة الهم تضحك لأصوم عن الكلام.

