التزكيات القاتلة… حين تُفلس النخب وتضيع السياسة
لم تعد أزمة النخب في المغرب مجرد توصيف أكاديمي بارد، بل تحولت إلى واقع يومي يلامسه المواطن في تفاصيل الممارسة السياسية، ويترجمه في مشاهد العبث التي ترافق كل موسم انتخابي.
ففي كل استحقاق، لا نكاد نغادر منطق “الاستثناء” حتى نسقط مجددًا في قاع الرداءة، حيث تختفي البرامج، وتتوارى الرؤى، وتتصدر واجهة المشهد معارك التزكيات، كأنها الغاية النهائية من الفعل الحزبي، لا مجرد وسيلة ضمن مسار ديمقراطي سليم.
لقد أصبحت التزكية، في كثير من الأحيان، عملة سياسية نادرة تُتداول في سوق مغلق، لا تحكمه معايير الكفاءة أو النزاهة أو الالتزام الفكري، بل تحكمه شبكات النفوذ، والقدرة على الحشد، وأحيانًا على “الاستثمار الانتخابي” بكل ما تحمله الكلمة من دلالات.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين تتحول الأحزاب من مؤسسات للتأطير والتأهيل السياسي إلى منصات لتوزيع الامتيازات الانتخابية.
إن أزمة النخب ليست وليدة اليوم، لكنها اليوم أكثر وضوحًا وحدةً من أي وقت مضى.
فالنخبة، في تعريفها الكلاسيكي، هي تلك الفئة القادرة على إنتاج المعنى، وصياغة المشروع، وقيادة التحول.
لكن ما نراه اليوم هو نخب بلا مشروع، بلا تصور، بلا جرأة فكرية، تكتفي بإعادة إنتاج نفس الخطابات المستهلكة، وتدور في حلقة مفرغة من التبرير والتبرير المضاد.
كيف يمكن لحزب سياسي أن يقنع المواطنين ببرنامجه، وهو نفسه عاجز عن إقناع أعضائه الداخليين بمعايير اختيار مرشحيه؟
كيف يمكن الحديث عن الديمقراطية التمثيلية، في ظل غياب ديمقراطية داخلية حقيقية؟
وكيف يمكن بناء الثقة، إذا كان منطق الولاء يتغلب على منطق الكفاءة؟
إن ما يجري داخل عدد من الأحزاب ليس مجرد صراع تنظيمي عابر، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية عميقة.
أزمة تتجلى في ضعف التأطير، وهشاشة البناء الفكري، وغياب التراكم السياسي الحقيقي.
فالأحزاب التي لا تنتج فكرًا، لا يمكن أن تنتج نخبًا، والأحزاب التي لا تنتج نخبًا، لا يمكن أن تقود مجتمعًا.
لقد تحولت “حرب التزكيات” إلى مرآة عاكسة لكل أعطاب الحقل الحزبي.
فهي تكشف عن غياب معايير واضحة وشفافة، وعن صراع خفي بين مراكز القوى داخل الحزب، وعن هشاشة العلاقة بين القيادة والقاعدة.
بل أكثر من ذلك، تكشف عن غياب رؤية استراتيجية حول من يجب أن يمثل الحزب، ولماذا، وبأي مشروع.
وفي خضم هذه الفوضى، يضيع المواطن.
يضيع بين خطابات متناقضة، ووعود انتخابية بلا سند، ووجوه تتغير مواقعها الحزبية كما تُغيّر الأقنعة في مسرحية عبثية.
فيصبح السؤال السياسي الحقيقي مغيبًا: من يمثل من؟ ولماذا؟ وبأي برنامج؟
إن أخطر ما في هذه الأزمة ليس فقط ضعف النخب، بل تآكل الثقة.
فحين يفقد المواطن الثقة في الأحزاب، يفقد الثقة في السياسة نفسها.
وحين تصبح السياسة مرادفًا للمصلحة الضيقة، يفقد الفعل العمومي معناه الأخلاقي.
وهنا، لا بد من طرح السؤال المؤلم:
هل نحن أمام أزمة نخب، أم أمام إفلاس للنموذج الحزبي برمته؟
إن الأحزاب التي تعجز عن تجديد نخبها، وتصر على إعادة تدوير نفس الوجوه، إنما تعلن بشكل غير مباشر عجزها عن مواكبة تحولات المجتمع.
مجتمع أصبح أكثر وعيًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر تطلبًا لمستوى أعلى من الخطاب والممارسة.
لقد دخلنا زمنًا لم تعد فيه الشعارات كافية، ولا الانتماءات التاريخية ضامنة للشرعية.
زمن يفرض على الأحزاب أن تعيد التفكير في ذاتها: في بنيتها، في خطابها، في علاقتها بالمجتمع، وفي طريقة اختيار نخبها.
إن معركة التزكيات، في جوهرها، هي معركة حول من يمتلك الحق في تمثيل المجتمع.
لكن حين تُختزل هذه المعركة في حسابات ضيقة، فإنها تتحول إلى معول لهدم الثقة، بدل أن تكون أداة لبنائها.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون مساءلة جريئة للنخب نفسها.
نخب اختارت، في كثير من الأحيان، الصمت بدل النقد، والتواطؤ بدل المواجهة، والامتثال بدل الإبداع.
فهل يمكن لنخبة لا تنتقد ذاتها أن تقود إصلاحًا؟
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تجديد النخب، بل إلى إعادة تعريف معنى النخبة.
نخبة مسؤولة، مستقلة فكريًا، قادرة على قول “لا” حين يجب أن تُقال، وقادرة على تقديم بدائل حقيقية، لا مجرد شعارات انتخابية عابرة.
كما أن الحاجة ملحة لإرساء قواعد واضحة وشفافة في منح التزكيات، تقوم على الكفاءة، والنزاهة، والالتزام بالمشروع الحزبي، لا على الولاءات الشخصية أو الحسابات الضيقة.
إن السياسة، في جوهرها، هي فعل نبيل، لكنها تتحول إلى نقيضها حين تُفرغ من مضمونها القيمي.
والأحزاب، كوسيط أساسي في النظام الديمقراطي، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى باستعادة هذا المعنى النبيل.
وإلا، فإننا سنجد أنفسنا أمام مشهد سياسي بلا روح:
أحزاب بلا برامج،
نخب بلا رؤية،
وانتخابات بلا معنى.
فهل تملك النخب الحزبية الشجاعة الكافية لمراجعة ذاتها؟
أم أننا سنظل ندور في نفس الحلقة، حيث تتغير الوجوه، وتبقى الأزمة؟
ذلك هو السؤال.

