افتتاحية مجلة 24..العمل الجمعوي بين الجد والهزل
في العقد الأخير تكاثرت الجمعيات ببلادنا، وإن كانت في البدايات تقتصر على الجمعيات الهادفة، في خدمة قضايا مجتمعية ترتبط بتربية الإنسان، وتجويد ذوقه الفني والارتقاء بأحاسيسه ومشاعره، لتمثل القضايا القومية والوطنية والإنسانية، في المسرح الهاوي والفرق الموسيقية الملتزمة والأندية السينمائية. والقضايا النسائية، والرياضية، وكانت دور الشباب فضاءات بقوة لهذه المقاصد والغايات.
اليوم العمل الجمعوي، فارق تطلعات الأمس، وصارت الجمعيات تنمو أعدادها بمنطق المتوالية الهندسية.. وغدت ترتبط بالدعوات الدينية والحرف والمشاريع النسائية المدرة للدخل، ومنها من نال حق المنفعة العامة، للدخول في شراكات مع مؤسسات الدولة ومشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والحصول على تمويلات مهمة لم يتضح بعد أثرها على استئصال مظاهر الفقر والحاجة عند الفئات التي تستهدفها هذه التدخلات.
بات اليوم العمل الجمعوي، في نظر البعض فرصة ومناسبة، لتلقي الدعم وأخذت بعض القوى السياسية، تغدق سخاءها من المال العمومي على الجمعيات القريبة منها، وتستخدمها عند الحاجة الانتخابية. فتكاثرت الجمعيات الخيرية والدعوية التي تهتم باليتيم وتلك التي تعنى بنشر تعاليم دينية على هواها ومقاسها، بخلاف الإجماع الوسطي المعتدل الذي ساد بين الناس. وصنعوا من الخلافات جوهرا يؤجج الصراع كلما أثيرت قضايا مجتمعية، فيستنهضون الفقهاء من طائفتهم، لجذب الناس نحو فتن لا عهد لهم بها.
اليوم بات العمل الجمعوي، ينتج مشاكل تشكك الناس في نواياه الحقيقية كما يحدث في الجمعيات السكنية، التي وظفت لجمع المال والتلكؤ في إخراج المشاريع المتعهد بها لحيز الوجود.
جمعيات أخرى باتت تبحث لها عن موقع في مشاريع الجماعات المحلية وتتبنى القيام بوظائفها في التنمية المجالية، كتلك التي تعنى ببناء القناطر، فنجد أنفسنا أمام تعدد المتدخلين عوض، تحديد المسؤوليات في مؤسسات وأجهزة يسهل أمر محاسبتها ومتابعتها إن ظهرت مشاكل أو تبعات سوء تدبير المشاريع.
تطور الجمعيات أيضا، جعل أهدافها في كثير من الأحيان فضفاضة من اهتمام بالتنمية والثقافة والرياضة والبيئة، وفيها تجتمع كل الوظائف الحكومية. بل بعض الرؤساء، يسعون لتأسيس أكثر من جمعية ويراكمون أكثر من مسؤولية، بعضهم له حضور في الحياة السياسية من موقع إدارة الحزب الذي ينتمي إليه، ثم ينشغل بالعمل الجمعوي، كخزان يوفر له إمكانيات الوصول إلى المال العام، لتدبير شؤون جمعيته.
في حين بعض الشباب، لا يكفيه ترأس جمعية واحدة بل يسعى داخل مشهده المحلي للتواجد في كل جمعية، ولكأننا به يبحث عن أقرب المشاريع رواجا لخدمة أهداف غير معلن عنها.
إن اتساع الحريات وممارستها في بلادنا، ظل يغذي هذا النمو المضطرد للجمعيات، ويجعلها في خدمة إما أجندات حزبية معينة والتي تمكنت من الوصول إلى إدارة الشأن العمومي أو أشخاص يحظون بعلاقات نافذة تمكنهم من الوصول إلى تمويلات لمشاريع، من الصعب القدرة على تلمس فوائدها على المجتمع، بقدر ما تخدم مصالح أصحابها ليس إلا.
إن هذا التطور اليوم للعمل الجمعوي وبهذه القوة، يملي علينا بالضرورة إعادة النظر والتدقيق فيما ينبغي أن يكون عليه العمل الجمعوي لفرز جده من هزله.

