اختلاف الأهداف بين ترامب ونتنياهو في الحرب على إيران
قالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية في مقال لكاتب الرأي رينو جيرار إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شنّا حربا وقائية ضد إيران من دون الرجوع إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وأضافت الصحيفة أنه منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 لم يصل التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب إلى هذا المستوى من التقارب. فالمعلومات الاستخباراتية والقواعد الجوية وطائرات التزوّد بالوقود والذخائر والأهداف العسكرية وكذلك التخطيط وإدارة العمليات كلها تُدار بشكل مشترك بين البلدين. كما قام نتنياهو بسبع زيارات إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الثلاثة عشر الأولى من الولاية الثانية لترامب. وأوضحت لوفيغارو أن العلاقة بين الطرفين تكشف تناقضا لافتا في العلاقات الدولية، إذ ليس الحامي هو من يؤثر في سياسة الدولة التي يحميها بل العكس.
وتابعت أن النفوذ الذي بناه نتنياهو لدى صديقه القديم ترامب هو ما دفع الولايات المتحدة إلى دخول حرب وصفتها بالوقائية بهدف تغيير النظام في إيران. لكن رينو جيرار يذكّر بأن الرئيس الأمريكي كان قد وعد خلال خطاب تنصيبه في 20 يناير 2025 بأنه لن يبدأ أي حرب جديدة. وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبدوان وكأنهما تنامان في سرير واحد لكن لكل منهما حلم مختلف. فاستراتيجية نتنياهو لم تتغير منذ دخوله الحياة السياسية، إذ يضع أمن إسرائيل في المرتبة الأولى بنسبة كاملة وبأي ثمن. ويرتبط هذا التوجه أيضا بعامل عائلي، إذ كان والده سكرتيرا لفلاديمير جابوتنسكي بينما قُتل شقيقه الأكبر خلال عملية تحرير رهائن في عنتيبي عام 1976. وأوضحت لوفيغارو أن مفهوم الأمن الكامل يعني أن حكومة القدس ستعارض قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة ولن تقبل بأي صاروخ يأتي من الشمال أو الجنوب كما ستتعامل بصرامة مع أي تهديد صادر عن دولة أو منظمة تدعو إلى محو إسرائيل من خريطة الشرق الأوسط. غير أن هذا الطموح قد يقود إلى خطر الانزلاق نحو حرب دائمة.
كما أن تحقيق الأمن بأي ثمن يعني تحمّل جميع التكاليف المحتملة سواء بالنسبة لدول الجوار في الشرق الأوسط أو للإسرائيليين أنفسهم أو ليهود الشتات أو حتى للدول الغربية الصديقة لإسرائيل. وفي هذا السياق أشارت لوفيغارو إلى خطر استراتيجي يتمثل في احتمال انقلاب الرأي العام الغربي ضد إسرائيل. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في النصف الأول من فبراير 2026 أن 41% من الأمريكيين باتوا يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 36% فقط يتعاطفون مع الإسرائيليين. وخلال عام واحد خسرت القضية الإسرائيلية عشر نقاط في الرأي العام الأمريكي بسبب الوضع في غزة. كما أن 57% من الأمريكيين يؤيدون اليوم قيام دولة فلسطينية وهو ما يرفضه نتنياهو تماما. وأضافت الصحيفة أن حلم نتنياهو في هذه الحرب يتمثل في تحطيم إيران عسكريا وسياسيا واقتصاديا ثم تفكيكها جغرافيا عبر تشجيع حركات انفصالية كردية وبلوشية وعربية وأذرية. وتشير إلى أن سياسة الليكود الأمنية قامت تاريخيا على تفكيك الدول المعادية لإسرائيل في الشرق الأوسط وهو ما حدث بدرجات مختلفة في لبنان وسوريا والعراق وربما يتكرر الآن في إيران. أما استراتيجية دونالد ترامب فهي مختلفة، إذ لا يسعى إلى تدمير إيران بالكامل بل إلى إعادتها إلى الفلك الأمريكي بعد 47 عاما من الثورة الإسلامية المعادية للغرب. كما يطمح إلى تكرار ما يعتبره نجاحا حققه في فنزويلا. وترى لوفيغارو أن السيطرة على النفط الإيراني إلى جانب النفط الفنزويلي يمكن أن تعزز موقع الولايات المتحدة في صراعها الاقتصادي والسياسي مع الصين، خاصة أن 20% من النفط الذي كانت الصين تستهلكه قبل اندلاع الحرب كان يأتي من إيران. كما قد يرى ترامب في هذه الحرب فرصة لتحقيق ثأر سياسي وإعلامي بعد حادثة احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في طهران عام 1979 وكذلك بعد فشل عملية إيغل كلو عام 1980 لتحريرهم. وتابعت الصحيفة أن كثيرين كانوا يأملون في أن تؤدي الضربة الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت رأس النظام في 28 فبراير الماضي إلى انقلاب داخل السلطة في طهران وظهور نظام إيراني أكثر احتراما لحقوق الإنسان وأكثر اهتماما بالتنمية الاقتصادية. غير أن ذلك لم يحدث، إذ تبدو إيران صامدة تحت القصف ولم تظهر أي انشقاقات أو حالات فرار داخل النظام بل تم انتخاب مرشد أعلى جديد هو نجل المرشد الذي اغتيل.
وكان ترامب قد وعد الشعب الإيراني بمساعدته، غير أن تدمير البنية التحتية الإيرانية بما في ذلك الموانئ ومستودعات النفط ومصانع تحلية المياه وليس فقط المواقع العسكرية لا يبدو أنه يساعد السكان الإيرانيين. ويتساءل رينو جيرار كيف يمكن لتدمير المزيد من البنية التحتية أن يفيد الشعب الإيراني. كما أشارت لوفيغارو إلى أن ترامب لا يستطيع بسهولة التذرع بخطر البرنامج النووي الإيراني لأنه أعلن في يونيو 2025 أنه دمّره بالكامل. كما أدت الحرب إلى تعطيل مفاوضات كانت على وشك النجاح بحسب الوسيط العماني. وعند توسيع زاوية النظر ترى الصحيفة أنه من الصعب فهم كيف يمكن لدول الخليج الحليفة لواشنطن أن تستفيد من هذه الحرب. كما أن المستهلك الأمريكي لن يستفيد من ارتفاع أسعار النفط وهو ارتفاع قد تستفيد منه روسيا التي أصبحت صادراتها النفطية إلى الهند تُشجَّع بشكل غير مباشر.
وختمت لوفيغارو مقالها بالقول إنه إذا لم يتمكن ترامب سريعا من إنهاء هذه الحرب عبر إحدى الصفقات التي يفاخر بقدرته على عقدها فقد تتحول إلى كابوس سياسي بالنسبة له.

