بين لحظة هيروشيما والهيمنة المفترسة هل تعيد واشنطن رسم قواعد القوة عبر المواجهة مع إيران
رغم أن جولات التفاوض الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة لم تسفر عن نتائج ملموسة، فإن بعض السياسيين والإعلاميين ظلوا يتحدثون بنبرة تفاؤل، معتبرين أن الباب ما زال مفتوحا لاحتواء التصعيد. غير أن المعطيات على الأرض كانت تشير إلى صعوبة تمرير أي اتفاق لا يتضمن تنازلات إيرانية جوهرية، خاصة في ما يتعلق بالبرنامج النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية، وهو ما جعل فرضية المواجهة العسكرية أقرب إلى التحقق.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُخف رغبته في إضعاف إيران إلى حد تجريدها من عناصر القوة الإقليمية، سواء تعلق الأمر بقدراتها العسكرية أو بشبكة حلفائها في المنطقة. ومع اندلاع المواجهة، برز سؤال محوري لدى مراكز البحث: هل ستقود الضربات العسكرية إلى تحقيق الأهداف الأمريكية، أم أنها ستدفع المنطقة نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.
في سياق دولي يتسم بتفكك التحالفات وصعود ما يوصف بهيمنة أمريكية أكثر صرامة، يرى البعض أن تحدي واشنطن لم يعد خيارا سهلا. وقد استحضر محللون تجربة فنزويلا، حين أدى تحرك أمريكي حاسم إلى إضعاف نظام نيكولاس مادورو وفتح المجال لتحولات سياسية واقتصادية، رغم عدم إسقاط النظام بشكل تقليدي كامل. غير أن مقارنة الحالة الفنزويلية بإيران تبقى محل جدل، نظرا لاختلاف طبيعة النظامين ومكانة القيادة الدينية والسياسية في طهران.
وفي ظل التصعيد، شعرت دول الإقليم بخطورة الموقف، فسعت بعض العواصم إلى الوساطة لتفادي انزلاق واسع. وكانت المخاوف تدور بين سيناريو ضربات محدودة قد تستفز ردا إيرانيا يستهدف مصالح مجاورة، أو مواجهة شاملة تجر المنطقة إلى حرب واسعة يصعب توقع مآلاتها. وقد عززت التطورات الأخيرة هذه المخاوف، خاصة مع تهديدات طهران بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف مصالح حيوية، وهي خطوات قد تكون لها تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة والاستقرار العالمي.
داخل الولايات المتحدة نفسها، حذر خبراء من أن أي مواجهة واسعة قد تنعكس سلبا على المصالح الأمريكية في المنطقة، لا سيما إذا أدت إلى تعطيل الملاحة أو ارتفاع حاد في أسعار النفط. ورغم ذلك، استمر التصعيد العسكري وتزايد الحشود، في رسالة مفادها أن جميع الخيارات تبقى مطروحة.
ويرى بعض المحللين أن ما يجري يشبه لحظة مفصلية في التاريخ الدولي، حيث لا يتعلق الأمر بإيران وحدها، بل بإعادة تأكيد مكانة القوة الأمريكية ورسالتها إلى العالم. وقد استخدم المنظر الأمريكي ستيفان والت تعبير الهيمنة المفترسة لوصف نهج يقوم على استثمار التفوق الأمريكي للضغط على الحلفاء والخصوم على حد سواء ودفعهم إلى تقديم تنازلات.
في هذا الإطار، تُطرح المقارنة مع لحظة هيروشيما بوصفها رمزا لاستخدام القوة القصوى لإعادة رسم موازين النظام الدولي. غير أن مثل هذه المقاربات، رغم ما تحمله من رسائل ردع، تثير أيضا مخاوف من كلفة إنسانية وسياسية باهظة، ومن تداعيات قد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة لتطال بنية النظام الدولي بأسره.
وهكذا، تتجاوز المواجهة الحالية حدود صراع ثنائي، لتطرح أسئلة أوسع حول مستقبل التوازنات العالمية وحدود استخدام القوة في عالم يشهد تحولات عميقة ومتصارعة.

