مقال تحليلي قانوني حول القرار الأممي رقم 2797 (2025) المتعلق بملف الصحراء المغربية
من إنجاز الدكتور نورالدين الناصري
مقدمة
يُعد القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 31 أكتوبر 2025 محطة حاسمة في مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، لما يحمله من تحولات جوهرية في المرجعيات القانونية والسياسية التي تؤطر هذا الملف منذ عقود. فبينما كان النقاش الأممي يتراوح سابقًا بين أطروحات “تقرير المصير” و”الاستفتاء”، فإن القرار الجديد أعاد رسم معالم الحل من خلال تبني مقاربة واقعية قائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الإطار الأنسب والأكثر جدوى لإنهاء النزاع بشكل نهائي ودائم.
أولاً: الطبيعة القانونية للقرار وموقعه ضمن منظومة قرارات مجلس الأمن
يأتي القرار 2797 في سياق قرارات مجلس الأمن السابقة، ولاسيما القرارات 1754 (2007)، 2468 (2019)، و2654 (2022)، إلا أنه يمثل نقلة نوعية من حيث المضمون القانوني واللغة الدبلوماسية المعتمدة.
فالقرار:
• يجدد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، مع دعوة صريحة إلى مراجعة مهامها بما يتلاءم مع التطورات الميدانية والسياسية.
• يؤكد الطابع السياسي للحل، ويبتعد عن المفهوم التقليدي لتقرير المصير بمعناه الانفصالي، مكرسًا بذلك المرجعية الجديدة المتمثلة في “الحل السياسي الواقعي والدائم القائم على التوافق”.
• يُدرج الجزائر طرفًا أساسيًا في العملية السياسية، مما يكرس مبدأ المسؤولية المشتركة ويقطع مع محاولة حصر النزاع بين المغرب والبوليساريو.
من منظور قانوني، يُعتبر القرار من القرارات ذات .الطبيعة التوجيهية غير أن قوته السياسية والدبلوماسية تفرض أثرًا إلزاميًا بحكم صدوره عن مجلس الأمن في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُعنى بتسوية المنازعات بالطرق السلمية.
ثانياً: الأساس القانوني لمقترح الحكم الذاتي في ضوء القرار 2797
كرس القرار 2797 مبدأ أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 تمثل الأساس الجدي والوحيد القابل للتنفيذ لتسوية النزاع.
وقد أحاط القرار علماً بـ:
• الدعم الواسع للمجتمع الدولي للمقترح المغربي،
• واعترافه بجهود المغرب “الجادة وذات المصداقية”.
من الناحية القانونية، يترتب عن هذا التوجه:
1. تحول مفهوم تقرير المصير من آلية للاستقلال إلى آلية للمشاركة السياسية في إطار سيادة قائمة، وهو ما يتماشى مع الاجتهاد الأممي في حالات مشابهة (مثل جزر آلاند في فنلندا، وجنوب تيرول في إيطاليا).
2. اعتبار الحكم الذاتي ممارسة فعلية للسيادة وليس نفيًا لها، مما ينسجم مع القواعد الحديثة في القانون الدولي العام التي توازن بين مبدأ وحدة الدولة وحق السكان في تدبير شؤونهم المحلية.
ثالثاً: الآثار الدبلوماسية والإقليمية للقرار
1. على المستوى الدبلوماسي الدولي
القرار يعزز موقع المغرب في المنتظم الأممي باعتباره طرفًا ملتزمًا بالحل السياسي الواقعي، ويضعف في المقابل المواقف الانفصالية التي فقدت مشروعيتها القانونية.
2. على المستوى الإقليمي المغاربي
إدراج الجزائر كطرف مباشر في النزاع يُعيد التوازن إلى طاولة المفاوضات، ويُلزمها قانونيًا بالمشاركة في إيجاد حل سياسي بدل الموقف السلبي القائم على “عدم الاختصاص”.
3. على مستوى بعثة المينورسو
تمت الإشارة لأول مرة إلى ضرورة مراجعة مهام البعثة بما يتلاءم مع المستجدات، وهو ما يُفهم منه أن دورها قد ينتقل من “تدبير وضع مؤقت” إلى “مواكبة تنفيذ حل دائم”، في ضوء الحكم الذاتي.
رابعاً: التحليل القانوني لمفهوم الحكم الذاتي في ضوء السيادة الوطنية
من منظور القانون الدولي، الحكم الذاتي هو نظام داخلي لتوزيع السلطة داخل الدولة الواحدة، دون المساس بوحدتها أو شخصيتها القانونية الدولية.
وبالتالي، فإن تبني هذا الحل:
• لا يُنشئ كيانًا مستقلًا ولا يغيّر من الوضع القانوني للأقاليم الجنوبية كجزء من التراب المغربي.
• بل يمنحها صلاحيات موسعة في تدبير شؤونها المحلية ضمن سيادة الدولة، بما يتوافق مع روح الفصل الأول من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 الذي يؤكد على الجهوية المتقدمة كوآلية للحكم الرشيد والتدبير الذاتي.
خامساً: نحو مقاربة أممية جديدة لتسوية النزاع
القرار 2797 يعكس تحولا في الفكر القانوني والسياسي للأمم المتحدة، من التركيز على “تصفية الاستعمار” إلى ترسيخ مقاربة الاستقرار الإقليمي.
فمجلس الأمن لم يعد ينظر إلى النزاع كملف تصفية استعمار، بل كمسألة تتعلق بالسلم والأمن الإقليميين في منطقة الساحل والصحراء، وهي منطقة أصبحت ذات أهمية استراتيجية عالمية.
خاتمة
إن القرار الأممي رقم 2797 (2025) يمثل تحولًا نوعيًا في مسار قضية الصحراء المغربية، إذ ثبّت المرجعية القانونية والسياسية لمقترح الحكم الذاتي كحل نهائي وواقعي للنزاع، وأعاد توزيع المسؤوليات الإقليمية بشكل منصف.
وبذلك يمكن القول إن الأمم المتحدة، من خلال هذا القرار، انتقلت من مرحلة إدارة نزاع مزمن إلى مرحلة تثبيت حل مستدام تحت السيادة المغربية، في انسجام تام مع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي المعاصر.

