طلوع يكتب: “الفرح المؤجل… حين لا يفرح الجميع”

طلوع يكتب: “الفرح المؤجل… حين لا يفرح الجميع”
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع: كاتب رأي

فرح أربعون مليون مغربي… هكذا قيل.
لكن هذه الجملة، في ذاتها، تحتاج إلى تدقيقٍ واقعي وأخلاقي.
الذين فرحوا فعلًا لا يتجاوز عددهم 60.181 متفرجًا،
حجّوا إلى ملعبٍ يسع ثمانين ألف مواطن،
ما يعني أن قرابة عشرين ألف تذكرة لم تُستعمل،
رغم أنها بيعت عبر المنصات الرسمية.
هناك إذن من لم يفرح،
لا لأن الكرة لم تدُر،
بل لأن تجار السوق السوداء
لم يتمكنوا من تصريف التذاكر التي اقتنوها للمضاربة.
فرح أيضًا حوالي مليونين من سكان فيسبوك،
منهم من يعلّق على تدويناتي:
“أنت عدمي، دع المغاربة يفرحون قليلًا”.
وبتعليقاتهم هذه،
يؤكدون، دون وعي،
أن الفرح في هذا البلد ليس حالة طبيعية،
بل استثناء يحتاج إلى مناسبة،
حتى لو كان متولدًا من قلب الأزمات.
فرح أصحاب المقاهي التي نقلت المباراة،
وفرح روادها الذين أدوا ثمن المشروبات مضاعفًا،
ثم غادروا المكان مباشرة بعد صفارة النهاية،
تحت مطرٍ غزير،
لأن صاحب المقهى أنهكته حسابات اليوم
وجمع الإتاوات.
فرح من لا يطارده همّ اللقمة،
ولا يؤرقه هاجس السكن،
ولا تثقله كلفة تعليم الأبناء.
فرح من يملك اشتراك “بي إن سبورت”،
ومن له رصيد من جيغات الإنترنت،
يتنقل بين قنوات يوتيوب وصفحات فيسبوك،
بحثًا عن روابط تقرصن المباراة،
وتنقطع كل حين خوفًا من الحظر.
وحتى بالكرم في العدّ،
لن يصل عدد من فرحوا إلى ستة عشر مليونًا.
الباقي… لم يفرح.
لم يفرح الذين بلا مأوى،
ضحايا الفيضانات،
ضحايا زلزال الحوز،
عائلات المعتقلين،
الذين يشتغلون بأجور هشة،
الذين لم يجدوا مقاعد لأبنائهم في المدارس،
الذين ينتظرون موعدًا طبيًا بعد أشهر،
النساء اللواتي يواجهن العزلة الاجتماعية،
الشباب التائهون في سؤال المستقبل،
خادمات البيوت،
وغيرهم كثير.
هذا الانبهار الجماعي،
وهذا الاحتفال المُعلّب،
لا يعكس حال المغاربة جميعًا،
بل حال فئة قليلة
تملك القوة،
وتحتكر السلطة الرمزية،
وتعيد تعريف الفرح
كما يُعاد تعريف الوطن.
إنهم يسطون على الإحساس الجماعي،
ويحولون الانتصار الرياضي
إلى شهادة حسن سلوك اجتماعي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *