طاقية من الذاكرة: كيف انتصر طارق السكتيوي مرتين

طاقية من الذاكرة: كيف انتصر طارق السكتيوي مرتين
المصطفى الهيبة اطار بقطاع الرياضة

 

لم يكن انتصار المدرب المغربي السكتيوي لحظة عابرة على أرض الملعب، بل مشهدًا تتجاوز أصداؤه حدود الرياضة.
فما إن صافحت صافرة النهاية آذان الجماهير، حتى أخرج من جيبه طاقية خضراء، ووضعها على رأسه بهدوء، كمن يستدعي غائبًا ليسمع معه التصفيق.
في تلك الحركة الصغيرة اختبأت حكاية كبرى: الطاقية لم تكن إكسسوارًا ولا استعراضًا، بل كانت أثرًا شخصيًا لوالد رحل عن الدنيا قبل سنوات، فحضر عبر رمزه في لحظة النصر. هكذا بدا المشهد وكأنه حوار صامت بين ابن وفيّ وأب غائب، بين الحاضر المتوثب والماضي الذي يصر على البقاء.
إنها ليست مجرد عادة، بل رسالة رمزية في زمن يزداد فيه الانفصال عن الجذور. ففي الثقافة المغربية، لا ينتهي حضور الوالدين بالموت؛ بل يمتد في الأدعية، في الذاكرة، وفي طقوس صغيرة تحفظ البركة وتربط الأحياء بأصولهم. والسكتيوي حين رفع الطاقية، لم يكن فقط يكرّم والده، بل أعاد التذكير بأن الانتصارات الكبرى لا تُبنى إلا على وفاء صامت لتلك الجذور.
المثير أن هذا التصرف لم يكن موجّهًا إلى الكاميرات، بل بدا وكأنه موجّه إلى الداخل، إلى الذاكرة الشخصية التي تغذّي المعنى. في عالم رياضي تغلب عليه لغة الأرقام والتعاقدات والإعلانات، جاء هذا الموقف ليعيد البعد الإنساني إلى المشهد: أن وراء كل مدرب أو لاعب، حكاية عائلة، وأثر والد، ودمعة مكبوتة خلف العين.
إن ما فعله السكتيوي يذكّر بأن الرياضة ليست مجرد منافسة على الألقاب، بل فضاء يكشف عمق العلاقة بين الإنسان وتاريخه. ولعل أجمل ما في هذا المشهد أنه لم يحتج إلى كلمات ولا إلى صخب، بل إلى رمز صغير جعل الكثيرين يعيدون التفكير: هل نحن أوفياء لمن سبقونا؟ وهل نستطيع أن نحمل ماضينا معنا بدل أن نتخلى عنه في زحمة الحاضر؟
بهذه الطاقية البسيطة، وضع المدرب المغربي لبنة أخرى في النقاش حول قيمة الرموز في حياتنا. فالرموز ليست حنينًا رومانسيا، بل قوة تجعل الإنسان أكثر رسوخًا في زمن سريع الزوال. وما فعله السكتيوي هو تذكير بديهي لكنه عميق: الانتصار الحقيقي لا يقاس بالكؤوس وحدها، بل بما نمنحه من معنى، وبمن نُشركهم فيه، حتى لو كانوا في عالم آخر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *