حين يتكلم الحي الشعبي بلغة الغضب: عاشوراء بين الاحتفال والانفجار

حين يتكلم الحي الشعبي بلغة الغضب: عاشوراء بين الاحتفال والانفجار
بقلم: د. عبد الإله طلوع – باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

ما بين مفرقعة طفولية تنفجر في السماء، وحجرة غاضبة تنفجر على خوذة رجل أمن، تتأرجح عاشوراء المغربية بين الفرح والمأساة. من طنجة إلى سطات، ومن الدار البيضاء إلى فاس، كشفت ليلة العاشر من محرم عن وجه آخر لمجتمعنا، وجهٍ ناقمٍ يخرج من الأحياء الهامشية ويملأ الشوارع بالاحتجاج غير المنظَّم، بالصراخ، وبالهجوم المتقطع على رجال الأمن والقوات المساعدة. صورٌ ومقاطع مصورة تداولها المواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تنقل مشاهد لا تُشبه الاحتفال، بل تُشبه إعلانًا ضمنيًا بأن شيئًا ما في العمق قد انكسر… وأن الاحتجاج لم يعد يحتاج إلى لافتة.

ما عشناه ليس حالة استثنائية، بل عرض متكرر لمرض اجتماعي مستفحل، لقد أصبح العنف طقسًا موسميًا في الأحياء الشعبية، لا لأن الشباب يحبون الفوضى بطبعهم، بل لأنهم يُجبرون على العيش داخل شروطها، من لا يملك شغلًا، ولا تعليمًا جيدًا، ولا فضاءً للتعبير، ولا فرصة حقيقية للحلم، سيجد في العنف وسيلته الوحيدة ليعلن حضوره في مجتمع يُقصيه كل يوم، حين تُغلق في وجهه كل الأبواب، تُفتح نافذة الغضب، فيقفز من خلالها، ولو إلى المجهول.

إننا لا نواجه مجرد حالات تخريب معزولة، بل نحن إزاء خطاب رمزي مشفّر، يُرسله شباب مهمَّش بلغة بدائية لكنها بليغة: لغة الشارع، ولغة الفوضى، ولغة الاصطدام مع السلطة. هؤلاء ليسوا متمرّدين بالفطرة، بل أبناء سياسات عمومية فاشلة، هم نتيجة مباشرة لمنظومة تعليمية لم تمنحهم ما يكفي من الأدوات ليصبحوا مواطنين فاعلين، ولمنظومة اقتصادية لم توفّر لهم شغلًا يضمن كرامتهم، ولمنظومة ثقافية هجرتهم واحتقرت حاجتهم إلى الفن والمعنى، لذلك فإن الردّ الأمني وحده، مهما كان مبررًا، لا يُنتج سوى مزيد من التوحش الاجتماعي. لأن عنف الدولة المادي حين لا يكون مسبوقًا بعدالة اجتماعية، يتحول إلى وقود إضافي في نار الغضب.

لقد قال الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو إن العنف الرمزي هو أخطر أشكال العنف، لأنه يُمارَس على الناس بتواطؤهم ومن دون وعيهم. وهذا ما يحصل مع هؤلاء الشباب، الذين يعيشون تحت ضغط بنيوي لا يُرى، لكنه يُشعرهم بأنهم مواطنون من الدرجة الأخيرة. إنهم يتربّون يومًا بعد آخر على شعور عميق باللاجدوى، وفي لحظة ما، تتحول هذه اللاجدوى إلى انفجار. وحين لا يجدون من يُصغي إليهم، يرفعون صوتهم بالحجارة، وعندما لا يُتاح لهم التعبير بالفن أو الفكرة، يتكلمون بلغة الفوضى.

المفارقة المؤلمة أن الدولة ما زالت تتعامل مع الأحياء الشعبية بمنطق أمني صرف، كأنها أماكن للضبط لا فضاءات للحياة. يتمركز الأمن حيث يغيب الاستثمار العمومي، وتشتغل المقاربة الزجرية حيث تغيب المقاربة التربوية، وهذه معادلة خطيرة، لأنها تنتج في نهاية المطاف ما يُشبه حالة حرب باردة بين الشباب والمؤسسات. نحن لا نحتاج إلى عربات مصفحة في الأزقة، بل إلى مشاريع ثقافية واقتصادية تُعيد الاعتبار لسكان الهامش، نحتاج إلى إعادة توجيه البوصلة نحو مدرسة دامجة، ونوادٍ حقيقية، وملاعب مفتوحة، ومسرح حيّ، ومكتبة قرب كل زقاق، حتى لا يُضطر الأطفال إلى البحث عن معنى في المفرقعات.

ما وقع في عاشوراء ليس مشكلًا ظرفيًا، بل هو مرآة لما نحن عليه. هو تجلٍّ لحقيقة لا تريد الدولة أن تعترف بها: أن هناك جيلا كاملا نشأ في عزلة رمزية، فاقد للثقة في السياسات، متشبع بخطابات عدمية، ومعبأ بما توفره وسائل التواصل من صور عالم مُترف، لا ينتمي إليه، جيل لا يرى في نفسه قيمة، لأن المجتمع لم يُقنعه يومًا بأنه يستحق. جيل أُهين كثيرًا، فصار الغضب لغته.

في لحظة كهذه، على الدولة أن تطرح السؤال الجوهري: من يُربّي شباب الأحياء اليوم؟ من يصنع مخيلتهم؟ من يشحنهم؟ من يُوجههم؟ وهل يكفي أن نحارب المفرقعة، وننسى الانفجار الداخلي؟ هل نُطارد الحجر في يد مراهق، ونغضّ الطرف عن الفقر في بيته، والفراغ في يومه، والخيبة في وجدانه؟ هل نحمي النظام، أم نُرمم المعنى؟

عاشوراء ليست سوى لحظة واحدة من لحظات كثيرة قادمة. إذا لم نتدارك ما يحدث اليوم، فغدًا لن تكون المفرقعات وحدها من تصرخ، بل ستصرخ أجيال بأكملها. وقد قال هيغل: “ما لا نتعلمه من التاريخ، يعيد نفسه بطريقة أكثر عنفًا”. فهل نملك الجرأة لنفهم قبل أن يصرخ الحي مرة أخرى؟ أم أننا ننتظر عاشوراء أخرى… لنعدُّ الحجارة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *