ملاءمة التكوين المهنـي مع سوق الشغل: الواقع والتحديات
يتناول المقال موضوع ملاءمة التكوين المهني مع متطلبات سوق الشغل في المغرب، من خلال تحليل معمق للسياسات العمومية، والبرامج الموجهة للشباب، ومؤشرات الإدماج المهني، إلى جانب رصد التحديات البنيوية والمؤسساتية التي تعرقل التفاعل الفعال بين العرض التكويني والطلب الاقتصادي. وقد تم تقسيم المقال إلى مبحثين رئيسيين، يتناول الأول واقع التكوين المهني من حيث ملاءمته للقطاعات الاقتصادية وتوزيعه المجالي، في حين يركز الثاني على الاختلالات المؤسساتية وتحديات الرقمنة واستشراف المهن المستقبلية. وقد خلص المقال إلى أن نجاح أي إصلاح للتكوين المهني رهين بإرساء حكامة متكاملة، ومنظومة توجيه ناجعة، واستراتيجية رقمية ومجالية شاملة تستند إلى تحليل استشرافي لسوق الشغل.
Abstract in English
The article addresses the alignment of vocational training with the labor market requirements in Morocco, through an in-depth analysis of public policies, youth-oriented programs, and professional integration indicators. It also highlights the structural and institutional challenges that hinder effective interaction between the training supply and economic demand. The article is divided into two main sections: the first explores the current state of vocational training in terms of its alignment with economic sectors and its regional distribution, while the second focuses on institutional dysfunctions, digital transformation challenges, and future skills forecasting. The article concludes that the success of any vocational training reform depends on the establishment of integrated governance, an efficient guidance system, and a comprehensive digital and territorial strategy grounded in forward-looking labor market analysis.
مقدمة:
يشكل موضوع ملاءمة التكوين المهني مع متطلبات سوق الشغل إحدى الإشكاليات البنيوية في مسار الإصلاحات التنموية التي ينخرط فيها المغرب، سواء من خلال السياسات العمومية أو التوجيهات الملكية أو عبر برامج التعاون الدولي. ذلك أن العلاقة بين التكوين والتشغيل تعد حلقة مركزية في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية، وتعبر عن قدرة المنظومة التكوينية على الاستجابة للتحولات الهيكلية في بنية السوق، سواء من حيث المهارات التقنية المطلوبة أو من حيث الكفايات العرضانية المرتبطة بالتواصل، والتكيف، والابتكار. وقد بات من المؤكد -نظريا وتطبيقيا- أن أي إصلاح في التعليم والتكوين يظل ناقص الأثر إن لم يواكبه استشراف واضح وممنهج لحاجيات الاقتصاد الوطني والجهوي من الكفاءات، وهو ما يستدعي من جهة أخرى نظاما معلوماتيا مرنا وفعالا، ومنظومة حكامة مؤسساتية منسقة.
ويكتسي هذا الموضوع راهنيته من تفاقم معدلات البطالة في أوساط الشباب، وخصوصا بين حاملي الشهادات، حيث تظهر التقارير الوطنية أن نسبة البطالة بين الفئة العمرية 15–24 سنة بلغت مستويات مقلقة، خاصة في الوسط الحضري. كما كشفت المعطيات التي أوردتها وزارة الشغل والإدماج المهني أن حوالي 60% من المستفيدين من برامج الإدماج والتأهيل هم من خريجي التكوين المهني أو التعليم العالي، ما يدل على وجود فجوة نوعية بين العرض التكويني ومتطلبات السوق. كما أن جزءا كبيرا من المجهود المالي والبشري الذي تبذله الدولة في هذا القطاع، لا يترجم بالضرورة إلى فرص إدماج اقتصادي فعلي، مما يحول التكوين المهني في كثير من الأحيان إلى مسار غير جذاب، ولا يفضله الطلبة إلا اضطرارا.
من هنا، تبرز أهمية الموضوع في مدى قدرة التكوين المهني المغربي على التكيف مع متطلبات التشغيل الفعلي، وعلى استباق تحولات السوق، وتوفير الكفاءات اللازمة لتطوير الاقتصاد الوطني، وتجاوز العجز الهيكلي في الاندماج المهني. وهذا ما يسعى هذا المقال إلى رصده وتحليله عبر الوقوف على واقع الملاءمة، واستجلاء أهم التحديات التي تعوق تحقيقها، في ضوء الوثائق الرسمية والتقارير الحكومية، وكذا التوجيهات الملكية الواردة في خطابي العرش لسنتي 2018 و2019، والبرامج الهيكلية المنبثقة عنها.
وبناء عليه، فقد أولى المغرب أهمية متزايدة لمنظومة التكوين المهني باعتبارها أحد المحاور الأساسية في إصلاح المنظومة التربوية، وتحقيق التقائية السياسات العمومية المتعلقة بالتشغيل، والاستثمار، والتنمية الاجتماعية. ويؤكد هذا المنحى ما ورد في الخطاب الملكي بتاريخ 20 غشت 2018، والذي دعا فيه جلالة الملك محمد السادس إلى “إعادة النظر، بشكل شامل، في تخصصات التكوين المهني، لجعلها تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام، وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن”. كما تمت الدعوة إلى إطلاق جيل جديد من مراكز التكوين، وتفعيل التوجيه المبكر، وربط التكوين بالتشغيل الذاتي والمقاولة الصغرى، خاصة في القطاعات الواعدة وفي المجالات القروية وشبه الحضرية.
وعلى نفس المستوى، تم تجسيد هذه الرؤية من خلال مجموعة من الأوراش المؤسساتية والمجالية، أهمها “مدن المهن والكفاءات” التي تم إطلاقها بموجب خريطة طريق جديدة للارتقاء بالتكوين المهني، تم الإعلان عنها في أبريل 2019، وهي تروم تطوير منظومة التكوين في اتجاه التخصصات ذات القيمة المضافة العالية، وتحديث مناهج التكوين، وتعزيز التكوين بالتناوب بين المعهد والمقاولة، وفق مقاربة مبنية على الحاجيات الحقيقية للاقتصاد الوطني والجهوي. على أن هذا الورش يندرج ضمن رؤية شمولية تعتبر التكوين المهني رافعة مركزية للنموذج التنموي الجديد، باعتباره أداة لإدماج الفئات الهشة، وتحفيز المبادرة الذاتية، وتعزيز قدرات المغرب التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.
إن السياق العام الذي يندرج فيه موضوع ملاءمة التكوين المهني مع سوق الشغل، هو سياق إصلاحي عميق تسعى من خلاله الدولة إلى تجاوز نماذج تعليمية كلاسيكية ثبت محدود أثرها، نحو مقاربة جديدة تقوم على النجاعة الاقتصادية، والعدالة المجالية، والتوجيه المبكر، والربط بين مخرجات التعليم وسوق الشغل. ومن ثم، فإن هذه الدراسة تندرج ضمن هذا المسار التحليلي، لتقارب إشكالية الملاءمة من زوايا متعددة، تجمع بين المؤشرات الرقمية، والتحليل المؤسساتي، والتقييم الاستشرافي، في محاولة للإجابة عن السؤال الجوهري:
إلى أي حد استطاع التكوين المهني المغربي مواكبة تحولات سوق الشغل، والإسهام في تقليص البطالة وتحفيز النمو الاقتصادي؟
وتأسيسا على ما سبق، تبرز الحاجة إلى معالجة هذه الإشكالية وفق مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، تأخذ بعين الاعتبار واقع التكوين المهني كما تعكسه السياسات العمومية والنتائج الميدانية من جهة، وتفكك التحديات العميقة التي تعوق تحقيق الملاءمة المنشودة من جهة ثانية. وعليه، ينقسم هذا المقال إلى مبحثين أساسيين: يرصد أولهما واقع التكوين المهني ومدى تفاعله مع سوق الشغل على المستويين الكمي والمجالي، فيما يتناول المبحث الثاني أبرز التحديات البنيوية والمؤسساتية التي تواجه منظومة التكوين.
المبحث الأول:
واقع ملاءمة التكوين المهنـي لسوق الشغل في المغرب
إن تقديم نظرة شمولية حول مدى ملاءمة التكوين المهني في المغرب مع واقع سوق الشغل، لا بد أن يكون عبر تحليل السياسات العمومية المنفذة في السنوات الأخيرة، وإبراز المؤشرات الإحصائية المتعلقة بإدماج خريجي التكوين، إلى جانب تحديد مدى استجابة منظومة التكوين للتحولات القطاعية الكبرى، خاصة في القطاعات الصناعية والخدماتية، وتقييم مدى تحقق العدالة المجالية في توزيع فرص التكوين والإدماج.
المطلب الأول: مؤشرات التوافق بين التكوين المهنـي وسوق العمل
لتسليط الضوء على أهم البرامج الحكومية، وآليات الدعم والتأهيل، والإجراءات المؤسساتية التي تم اعتمادها للربط بين التكوين المهني واحتياجات سوق الشغل، يجب تحليل نسب الإدماج المهني للمستفيدين من التكوين، ورصد أداء الآليات المرتبطة بالتكوين بالتناوب، والشراكات القطاعية مع المقاولات.
الفقرة الأولى: السياسات العمومية الداعمة للتوافق
شهدت السنوات الأخيرة في المغرب زخما ملحوظا في السياسات العمومية الرامية إلى تعزيز التناسق بين التكوين المهني ومتطلبات سوق الشغل، وهو ما تجلى في تبني مخططات وطنية ذات بعد استراتيجي، وفي مقدمتها “المخطط الوطني للنهوض بالتشغيل 2017-2021″، الذي تم إعداده في إطار مقاربة شمولية ومندمجة، بتنسيق مع اللجنة الوزارية للتشغيل، والهادف إلى خلق ما يقارب 1.2 مليون فرصة شغل خلال فترة تنفيذه، من بينها أكثر من 720 ألف فرصة تم تحقيقها فعلا قبل نهاية 2020 رغم آثار الجائحة. وقد ارتكز هذا المخطط على مجموعة من المحاور، أبرزها: دعم قابلية التشغيل، تطوير الوساطة، وتنمية التشغيل الذاتي، وهي محاور ذات علاقة مباشرة ببرامج التكوين المهني.
كما لعب “برنامج إدماج” دورا مهما في تفعيل هذا التوجه، حيث مكن من إدماج حوالي 410.000 باحث عن شغل في القطاع الخاص ما بين 2017 و2021، في حين استفاد 115.000 آخرون من برنامج “تأهيل” الموجه لتحسين جاهزية الخريجين للاندماج المهني، بالإضافة إلى أكثر من 18.000 شاب تم دعمهم ضمن برنامج “التشغيل الذاتي”. ورغم هذه الأرقام الإيجابية، إلا أن تقارير المتابعة أكدت أن نسبة الإدماج النهائي في سوق الشغل بالنسبة للمستفيدين من هذه البرامج لا تتجاوز 60% في أحسن الأحوال، ما يعكس تحديات في استدامة الإدماج، وجودة المناصب، ومحدودية مواكبة الخريجين بعد التوظيف.
وقد حرص المغرب أيضا على تطوير نموذج “التكوين بالتناوب” باعتباره مقاربة ناجعة لتحقيق الملاءمة، من خلال الجمع بين التكوين النظري في المعهد والممارسة العملية داخل المقاولة، وهو ما يعزز الجاهزية المهنية للمتدربين، ويقلص الفجوة بين المكتسبات الأكاديمية والحاجيات الفعلية للمشغلين. وتؤكد الأدبيات المقارنة في هذا السياق، أن البلدان التي اعتمدت أنظمة التكوين بالتناوب، مثل ألمانيا والنمسا، تمكنت من تقليص معدلات بطالة الشباب إلى أقل من 10%، بفضل الاندماج المبكر للتكوين في النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
ويعزز هذا التوجه أيضا من خلال إبرام اتفاقيات شراكة مع القطاع الخاص، إذ بلغ عدد الاتفاقيات الجماعية للشغل 42 اتفاقية بين 2017 و2021، فضلا عن اتفاقيات تأطير بين مكتب التكوين المهني ومؤسسات كبرى في مجالات الطيران، السيارات، والصناعات الرقمية، مما ساعد على تطوير شعب تكوينية جديدة وفقا لمواصفات المقاولات. لكن هذه الاتفاقيات تبقى مركزة جغرافيا ومجاليا، وهو ما يطرح إشكالية تعميم الاستفادة على كافة الجهات والقطاعات.
الفقرة الثانية: النتائج الإحصائية لمخرجات منظومة التكوين المهنـي
تكشف الإحصائيات الوطنية المتاحة عن وجود تطور نسبي في مؤشرات إدماج خريجي التكوين المهني، غير أن هذا التطور يبقى محدودا عند تحليل الجودة والديمومة في مناصب الشغل المحدثة. فبحسب معطيات وزارة الشغل والإدماج المهني، فإن معدل الإدماج المهني المباشر للمستفيدين من عقود “التكوين من أجل الإدماج” بلغ في المتوسط حوالي 60.7% سنة 2020، بعد أن كان يتجاوز 63% خلال سنة 2019، وهو ما يعكس تأثر هذه الآلية بتداعيات جائحة كوفيد-19، إضافة إلى هشاشة روابط الشغل في عدد من القطاعات التي تستوعب خريجي التكوين المهني، خاصة قطاعات الخدمات والفندقة والصناعة التقليدية.
وتؤكد تقارير المرصد الوطني لسوق الشغل أن الفئات الأكثر استفادة من برامج التكوين المهني هي تلك الحاصلة على شواهد تقنية أو تأهيلية، فيما يظل حاملو الشهادات الأساسية أو دون شواهد يواجهون صعوبات بنيوية في الإدماج، حتى بعد الاستفادة من برامج التأهيل أو إعادة التكوين. وفي هذا الإطار، تسجل الإحصائيات ضعفا مقلقا في نسب الإدماج في بعض القطاعات مثل البناء والأشغال العمومية، رغم حاجتها المستمرة لليد العاملة المؤهلة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول فعالية التوجيه المهني، وكفاءة النظام المعلوماتي في رصد الحاجيات الحقيقية للمشغلين.
وقد تمثل أحد مؤشرات التقدم الإيجابية في ارتفاع عدد عقود التكوين في القطاعات الصناعية الواعدة، مثل صناعة السيارات والطيران، حيث بلغ عدد المستفيدين من برامج التكوين الموجهة للقطاعات الرافعة ما يفوق 11.000 سنويا بين 2017 و2020، طبقا لمعطيات مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل. إلا أن هذه الدينامية بقيت محدودة من حيث التغطية الجغرافية وعدد المستفيدين مقارنة بالطلب المرتفع على التكوين في صفوف الشباب، وهو ما دفع إلى إطلاق مشاريع “مدن المهن والكفاءات” بغاية تأهيل المنظومة على المستوى الجهوي وتعزيز العرض التكويني القطاعي.
وعلى المستوى المقارن، توصي منظمات دولية مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) بضرورة التركيز على تتبع أثر التكوين بعد مرحلة الإدماج، وليس فقط تسجيل عقود أولية، من خلال أدوات تحليلية، وهو ما لا يزال غائبا إلى حد كبير في الحالة المغربية، رغم بعض المبادرات المحدودة التي يقودها المرصد الوطني لسوق الشغل. وبالتالي، فإن ضعف مؤشرات تتبع المسارات المهنية للخريجين يعرقل تقييم مدى فعالية برامج التكوين في دعم الإدماج المستدام، وفي تكييف العرض التكويني بناء على تغذية راجعة مستمرة من السوق.
المطلب الثاني: الأبعاد الهيكلية للملاءمة القطاعية والمجالية
نركز فيما يأتي على مدى قدرة منظومة التكوين المهني على الاستجابة للمتطلبات الخاصة بالقطاعات الاقتصادية الرائدة، ومدى تلاؤم التكوينات مع الخصوصيات الجغرافية والمجالية. كما نتناول الاختلالات المرتبطة بعدم التوازن في التغطية الجهوية للتكوين، والنقص في البنيات التحتية في بعض الجهات المهمشة.
الفقرة الأولى: التكوين المهنـي والقطاعات الاقتصادية الواعدة
تظهر خارطة الاقتصاد المغربي خلال العقدين الأخيرين تحولا بنيويا نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل صناعة السيارات والطائرات، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، وتكنولوجيا المعلومات. وهذا التحول فرض على منظومة التكوين المهني أن تعيد ترتيب أولوياتها من حيث الشعب، والتخصصات، والمقاربات البيداغوجية، بما يضمن إعداد كفاءات قادرة على الاندماج السريع والفعال في هذه القطاعات الجديدة، ومواكبة إيقاعها المتسارع من حيث التجديد والتطور المهني. غير أن تقارير وطنية ودولية تؤكد أن الملاءمة بين التكوين المهني ومتطلبات هذه القطاعات لا تزال نسبية، وغير كافية لتغطية الطلب الكمي والنوعي على الكفاءات المؤهلة، خاصة في المهن الرقمية، والصيانة الصناعية، واللوجستيك، والميكاترونيك، والإلكترونيك الصناعي.
ففي قطاع السيارات مثلا، الذي أصبح يحتل المرتبة الأولى في الصادرات الصناعية المغربية منذ 2017، يعاني المصنعون من نقص متزايد في الأطر التقنية المتوسطة والمتخصصة، رغم تعدد الشراكات بين مؤسسات التكوين المهني والمصنعين العالميين مثل “رونو” و”بوجو” و”ستيليم”. وقد دفع هذا النقص إلى إطلاق برامج تكوين محددة، ممولة من صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في إطار “الاستثمار مقابل التكوين”، إلا أن استدامة هذا النوع من التكوينات يبقى مرهونا بقدرة الدولة على التعميم، وتحديث المحتوى التكويني باستمرار.
أما قطاع الطيران، فقد شهد بدوره إقبالا متزايدا من المستثمرين، غير أن التكوينات الموجهة إليه ظلت محدودة من حيث الطاقة الاستيعابية، كما يظل التكوين العملي فيها مكلفا من حيث البنيات والمعدات، ما يعيق التوسع الجهوي لهذه الشعب. وأمام هذا الواقع، عملت الدولة على تعزيز شراكات ثلاثية بين الدولة والمقاولات والمجتمع المدني المهني، لتأطير التكوين وفق منظومة حوكمة قطاعية تعتمد على ما يسمى بـ”اللجان الثنائية القطاعية”، إلا أن نتائج هذه المبادرات تظل متفاوتة من جهة إلى أخرى بسبب تفاوت الموارد والبنية التحتية.
وفي هذا الصدد، تؤكد التجربة المقارنة أن البلدان التي اعتمدت نماذج “القطاعات الواعدة” كأساس لإصلاح التكوين المهني، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، تمكنت من رفع نسب اندماج الخريجين إلى أكثر من 80%، بفضل مرونة البرامج التكوينية، وإشراك المهنيين في تصميم مضامينها، وربطها بالتحفيزات الضريبية والمقاولاتية الموجهة للمشغلين. وفي مقابل ذلك، تبقى هذه الآليات في المغرب محدودة الفعالية بسبب ثقل الإجراءات الإدارية، وعدم انتظام التقييم المرحلي للشعب التكوينية، وضعف إشراك المشغلين الصغار والمتوسطين في هندسة البرامج، رغم كونهم يشكلون أكثر من 90% من النسيج المقاولاتي الوطني.
الفقرة الثانية: العدالة المجالية في التكوين المهنـي
رغم الجهود المبذولة من قبل المغرب لتعزيز العرض التكويني على المستوى الوطني، لا تزال الفوارق المجالية تطرح إشكالات بنيوية تتعلق بعدم تكافؤ فرص الولوج إلى التكوين المهني بين مختلف الجهات، بل وبين الأقاليم داخل الجهة الواحدة. فحسب تقارير رسمية صادرة عن وزارة الشغل والإدماج المهني، فإن جهات كبرى مثل الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وفاس-مكناس تستحوذ على أكثر من 55% من مراكز التكوين العمومية والخاصة، بينما تفتقر جهات مثل درعة-تافيلالت وكلميم-واد نون إلى البنيات الأساسية والطاقات البشرية الكافية، مما يكرس تفاوتا في فرص التأهيل المهني، وبالتالي في فرص الإدماج الاقتصادي.
ولتدارك هذه الفجوة، أطلقت الدولة مشروع “مدن المهن والكفاءات”، الذي يسعى إلى تغطية كل جهة بمركز جهوي متكامل، يستجيب لحاجياتها الاقتصادية والاجتماعية. وقد تم تحديد 12 مركزا جديدا، بميزانية استثمارية ناهزت 3.6 مليار درهم، تضم بنيات متعددة الوظائف والشعب، وتدار وفق نظام جديد من الحكامة الترابية والقطاعية، بالشراكة بين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، والمجالس الجهوية، والقطاع الخاص. وتستند فلسفة هذا المشروع إلى مبدأ التمايز الجهوي، أي ربط العرض التكويني بالخصوصيات الاقتصادية لكل جهة، مثل الفلاحة في جهة سوس ماسة، والصيد البحري في جهة الداخلة وادي الذهب، والصناعة التحويلية في جهة فاس مكناس.
ومع ذلك، فإن تفعيل العدالة المجالية في التكوين المهني يواجه عدة عراقيل، منها غياب التوازن في جاذبية الأطر التكوينية بين المدن والبوادي، وتفاوت جودة التجهيزات، وارتفاع نسب الانقطاع الدراسي في العالم القروي، إضافة إلى غياب نظام نقل ودعم اجتماعي يضمن استقرار المتدربين المنحدرين من المناطق النائية. وتشير دراسات البنك الدولي إلى أن الولوج الجهوي غير المتكافئ للتكوين يشكل أحد أبرز عوائق الحد من البطالة البنيوية، إذ يحرم المناطق الطرفية من تطوير رأسمالها البشري، ويغذي الهجرة القسرية نحو المدن الكبرى التي تعاني أصلا من ضغط سكاني ومهني.
ويعد تحقيق العدالة المجالية في التكوين المهني شرطا أساسيا لتحقيق تنمية ترابية مستدامة، ورافعة للحد من الفوارق المجالية والاجتماعية. لذلك، يوصى ببلورة سياسة وطنية متكاملة للتكوين المهني القروي، تعتمد على وحدات متنقلة، ونظام تمويل تحفيزي، وإدماج الجمعيات المحلية كشركاء في التعبئة، والتأطير، والمواكبة التكوينية، وفق نموذج تشاركي مجتمعي.
المبحث الثاني:
التحديات التي تعوق ملاءمة التكوين المهنـي مع سوق الشغل
ننتقل في هذا المبحث إلى تحليل التحديات البنيوية والمؤسساتية التي لا تزال تعرقل السير نحو ملاءمة فعلية ومستدامة بين التكوين المهني ومتطلبات سوق الشغل، سواء من حيث ضعف التنسيق بين الفاعلين، أو هشاشة منظومة التوجيه، أو قصور النظام الوطني في التفاعل مع التحولات التكنولوجية والمهنية السريعة، خاصة في ظل الثورة الرقمية.
المطلب الأول: الاختلالات البنيوية والمؤسساتية
تتمثل مظاهر القصور المؤسساتي أساسا في التنسيق بين الجهات المشرفة على التكوين المهني والتشغيل، وضعف التفاعل بين المعاهد والمقاولات، وغياب آليات حوكمة تشاركية فعالة، إضافة إلى تحليل خلل منظومة التوجيه التربوي، وتأثيرها السلبي على اختيارات الشباب وتوجهاتهم المهنية.
الفقرة الأولى: ضعف التنسيق بين الفاعلين المؤسساتيين
يعد ضعف التنسيق المؤسساتي بين مختلف المتدخلين في منظومة التكوين المهني أحد أهم العوائق التي تحد من نجاعة هذه المنظومة في تحقيق أهدافها، خصوصا فيما يتعلق بالتكامل مع سوق الشغل. فرغم وجود فاعلين متعددين يشرفون على التكوين، من وزارات قطاعية (كوزارة التربية الوطنية، ووزارة الإدماج الاقتصادي، ووزارة الصناعة…)، ومؤسسات عمومية (OFPPT، الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات)، ومنظمات أرباب العمل، إلا أن غياب التنسيق العمودي والأفقي بين هذه الجهات يؤدي إلى ازدواجية البرامج، وتضارب في المرجعيات، وتشتت في الرؤية الاستراتيجية.
وقد أشارت العديد من التقارير، من بينها تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين سنة 2019، إلى غياب منظومة حكامة موحدة تضمن تناغم السياسات العمومية التكوينية، وتؤطر العلاقة بين المعاهد، والمشغلين، والإدارات العمومية، والجهات، مما ينتج عنه عجز مزمن في استغلال المعلومات المتوفرة لدى الفاعلين الاقتصاديين لتحديث المناهج، وبرامج التكوين، ونظام التوجيه المهني. كما أن نسبة مشاركة المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، في تصميم وتقييم برامج التكوين تبقى ضعيفة جدا، إذ لا تتعدى 17% بحسب دراسة أجرتها وزارة الشغل سنة 2020.
ويعزز هذا الاختلال غياب منصة وطنية رقمية مشتركة لتقاسم المعطيات حول حاجيات سوق الشغل الجهوية والقطاعية، حيث لا تزال معظم مؤسسات التكوين تعتمد على منهجية تقليدية في تخطيط الشعب، دون استثمار فعال في أدوات التحليل الاستراتيجي، أو نظم المعلومات الجغرافية (SIG)، أو الذكاء الاصطناعي للتوقعات السوقية. وهذا النقص يعيق التفاعل السريع مع تحولات السوق، ويؤدي إلى إنتاج تكوينات قد تكون تقنية لكنها غير ذات صلة فعلية بالوظائف المتاحة.
وقد خلصت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) في تقييمها الأخير إلى أن أحد مفاتيح تحسين نجاعة التكوين المهني في الدول النامية، يكمن في إحداث “مجالس قطاعية دائمة” تضم ممثلين عن الدولة، والمقاولات، والجهات، ومجالس الشباب، بهدف مراجعة البرامج كل سنتين على الأقل، وتكييفها مع التحولات البنيوية للسوق، وهو ما لا يزال غائبا في المغرب رغم بعض المحاولات التجريبية المحدودة في قطاع الفندقة والصناعة الغذائية.
الفقرة الثانية: فجوة التوجيه المبكر وبرامج التكوين غير الملائمة
يعد ضعف منظومة التوجيه التربوي والمهني في المراحل التعليمية الأولى من أبرز أسباب اختلال العلاقة بين التكوين المهني وسوق الشغل في المغرب. فبالرغم من الجهود المبذولة لإدماج التوجيه في المسارات الدراسية، إلا أن غياب نظام وطني متكامل للتوجيه المبكر يجعل أغلب التلاميذ يتجهون إلى التكوين المهني إما اضطرارا بعد الفشل الدراسي، أو كخيار ثانوي لا يحظى بالقبول المجتمعي، مما يؤثر على جودة التكوين ومردوديته الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، أكد الخطاب الملكي لسنة 2018 على هذه المسألة بشكل واضح، حين دعا إلى “اعتماد نظام ناجع للتوجيه المبكر، سنتين أو ثلاث سنوات قبل الباكالوريا، لمساعدة التلاميذ على الاختيار، حسب مؤهلاتهم وميولاتهم، بين التوجه للشعب الجامعية أو للتكوين المهني”. ورغم صدور توجيهات لإصلاح هذه المنظومة، لا تزال مؤسسات التكوين تستقبل سنويا آلاف التلاميذ دون تشخيص دقيق لمهاراتهم، أو تحديد دقيق لميولاتهم المهنية، مما يؤدي إلى ارتفاع نسب الانقطاع أو إعادة التوجيه داخل مؤسسات التكوين.
وفي منحى آخر، لا تزال بعض الشعب التكوينية بعيدة عن واقع الشغل ومهن المستقبل، حيث تشير الإحصائيات الصادرة عن المرصد الوطني لسوق الشغل إلى أن أكثر من 30% من التكوينات المعتمدة بين 2017 و2020 لم تواكب تحولات السوق الرقمي أو حاجيات الاقتصاد الأخضر، ولا تزال ترتكز على مهن تقليدية أو منخفضة القيمة المضافة، مثل الحلاقة، الطبخ، الميكانيك الكلاسيكي، وهو ما يسهم في تخريج أفواج من الشباب دون أفق مهني واضح.
وتؤكد دراسات دولية أن البلدان التي اعتمدت منظومة توجيه ذكية، مدعومة بتقنيات تحليل البيانات وتقييم الكفايات الفردية، نجحت في رفع نسب الإدماج المهني بما يتجاوز 75%، كما هو الحال في فنلندا وسويسرا. بينما في المغرب، لا تزال أدوات التوجيه تفتقر إلى التحيين، وتغيب عنها المنهجية المعيارية في تقييم المسارات، سواء من حيث المحتوى، أو التخصصات المطلوبة، أو الأفق المهني الذي تتيحه.
إن غياب سياسة وطنية متكاملة للتوجيه المهني، لا يقتصر أثره على إهدار الموارد العمومية، بل ينسحب أيضا على ثقة الأسر والطلبة في التكوين المهني كخيار ذي جدوى اقتصادية واجتماعية. ومن ثم، فإن معالجة هذا الخلل يتطلب إرساء نظام توجيه وطني موحد، رقمي، متجدد، ومبني على مؤشرات سوق الشغل، مع إشراك الأطر التربوية، والمقاولات، وأولياء الأمور، في هندسة المسارات المهنية المستقبلية.
المطلب الثاني: التحديات المستقبلية والاستراتيجية
لا شك في أن تسارع التغيرات التكنولوجية ينجم عنه تحديات تحتاج لتجاوزها إلى تكوينات جديدة في المهن المستقبلية، مع تقييم مدى جاهزية منظومة التكوين لمواجهة هذه التغيرات، وتحليل غياب أدوات استشراف دقيقة قادرة على توجيه السياسة التكوينية وفق معطيات سوق العمل المستقبلية وطنيا وجهويا.
الفقرة الأولى: تحديات التحول الرقمي والمهن الجديدة
تواجه منظومة التكوين المهني في المغرب تحديا مزدوجا يتمثل من جهة في ضرورة مواكبة التحول الرقمي الذي يشهده الاقتصاد العالمي، ومن جهة ثانية في الاستعداد لاستيعاب المهن الجديدة المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة. فمع تزايد الاعتماد على التكنولوجيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، تغيرت طبيعة المهارات المطلوبة في سوق الشغل، حيث لم يعد التكوين التقليدي كافيا لتلبية متطلبات المهن الناشئة، لاسيما في ميادين الأمن السيبراني، البرمجة، تصميم الألعاب، الاقتصاد الرقمي، والطباعة ثلاثية الأبعاد.
وقد بدأ المغرب يدرك تدريجيا أهمية هذا التحول، ويتجلى ذلك في بعض المبادرات الرائدة، مثل الاتفاقية الموقعة بتاريخ 13 ماي 2025 بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، والتي تهدف إلى إدماج مهن صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن برامج التكوين المهني، من خلال تطوير برامج متخصصة في مجالات التصميم، البرمجة، الاختبار، والإنتاج الرقمي التفاعلي، مع إشراك مقاولات ناشئة وفاعلين اقتصاديين في الهندسة التكوينية والتدريب الميداني.
ورغم الطابع الإيجابي لهذه المبادرات، فإنها لا تزال محدودة من حيث الانتشار والتمويل، كما تواجه مقاومة مؤسساتية أحيانا بحكم النماذج البيداغوجية التقليدية التي لم تتكيف بعد مع منطق المهارات الناعمة (soft skills)، والتعلم مدى الحياة، والتعليم الرقمي المفتوح. ويسجل أيضا تأخر واضح في دمج التكنولوجيا في منظومة التكوين، سواء على مستوى البنية التحتية أو على مستوى الكفاءات البيداغوجية، حيث تشير تقارير مجلس المنافسة إلى أن أقل من 15% من مؤسسات التكوين المهني العمومية توفر بيئة رقمية متكاملة تشمل أجهزة محمولة، برمجيات متخصصة، وولوج دائم للأنترنت عالي الصبيب.
ويؤكد البنك الدولي أن الدول التي استثمرت مبكرا في التكوين الرقمي، ودمجت مقاربة “التحول المهني الرقمي” في استراتيجياتها، تمكنت من خلق قطاعات إنتاجية جديدة، وتحقيق نمو في التوظيف عالي الكفاءة، خصوصا في آسيا وجنوب شرق أوروبا، وذلك بفضل إعادة هيكلة نظمها التكوينية وتوجيهها نحو الابتكار والمرونة. أما في السياق المغربي، فلا تزال أغلب مؤسسات التكوين تعتمد على برامج تقليدية، وشهادات غير معترف بها دوليا، مما يحد من حركية الخريجين، وقابلية اندماجهم في السوق العالمي.
وتأسيسا عليه، فإن من أبرز التحديات الاستراتيجية اليوم، بناء منظومة تكوين مهني رقمية ومفتوحة، ترتكز على تحديث المحتويات، وتأهيل المكونين، وإرساء شراكات مع الفاعلين الرقميين العالميين، وتوفير التمويلات الابتكارية لتوسيع التكوين في المهن الرقمية، وفق رؤية مندمجة تستشرف سوق الشغل ما بعد 2030.
الفقرة الثانية: الحاجة إلى نظام استشراف ومواكبة دائمة لتحولات سوق الشغل
إن أحد أكبر التحديات التي تعيق فعالية التكوين المهني في المغرب هو غياب نظام مؤسساتي متكامل لاستشراف حاجيات سوق الشغل على المدى المتوسط والبعيد. ذلك أن أغلب عمليات التخطيط التكويني ما تزال ترتكز على معطيات ظرفية أو على توقعات غير مؤطرة بنماذج تحليلية كمية ونوعية دقيقة. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، سواء بسبب الرقمنة، أو الأزمات المناخية، أو التغيرات الجيوسياسية، أصبح لزاما على الدول أن تطور أدوات استباقية تعتمد على الذكاء الاقتصادي، ونماذج التنبؤ الديناميكية، لرصد التحولات القطاعية والمهنية قبل وقوعها، وتكييف التكوينات والمهارات المطلوبة وفقا لذلك.
وفي السياق الوطني، أحدث “المرصد الوطني لسوق الشغل” كمؤسسة تقنية تابعة لوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى، بهدف تحليل بيانات التشغيل، وتقديم مؤشرات دورية حول تطور المهن، ونسب الإدماج، والكفاءات المطلوبة. غير أن أداء هذا المرصد لا يزال محدودا بسبب قلة الموارد البشرية المؤهلة، وتضارب مصادر المعطيات، وغياب منصة رقمية موحدة تجمع بيانات المؤسسات التكوينية والمقاولات والقطاعات الوزارية. كما أن معظم التقارير الصادرة عنه تفتقر إلى طابع التحيين المستمر، وإلى التحليل القطاعي المفصل الذي يتيح لمؤسسات التكوين التفاعل السريع والناجع.
وتشير التجارب المقارنة، مثل النموذج الكندي والألماني، إلى أن فعالية نظم الاستشراف ترتبط بوجود شراكات دائمة بين الدولة، والمجالس الجهوية، وأرباب العمل، ومراكز الدراسات، ومؤسسات التعليم العالي، ضمن ما يسمى بـ “مرصد المهارات” الذي يصدر تقارير فصلية حول مهن المستقبل، وتغيرات العرض والطلب المهني، ويدمج مخرجاته مباشرة في تخطيط السياسات التكوينية والتعليمية. أما في المغرب، فإن ضعف الربط بين التكوين المهني والبحث العلمي يفوت فرصة ثمينة لتكييف البرامج بسرعة، ولتجريب مناهج بيداغوجية جديدة في ضوء المتغيرات الدولية.
وتبرز الحاجة اليوم إلى اعتماد سياسة وطنية للاستشراف المهني، تعتمد على الحوسبة الشاملة للمعطيات التكوينية، وتحليل اتجاهات السوق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتطوير مؤشرات أداء متقدمة (KPI) تمكن من قياس مدى تأثير كل شعبة تكوينية على معدلات الإدماج، النمو الجهوي، والتحول الاقتصادي. هذا التمشي الاستباقي ليس رفاهية، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة المهنية للمغرب، وضمان ملاءمة دائمة وفعالة بين التكوين وسوق الشغل.
خاتمة:
يتبين من خلال هذا المقال أن ملاءمة التكوين المهني مع متطلبات سوق الشغل في المغرب لا تزال تمر بمرحلة انتقالية تجمع بين دينامية التجديد ومقاومة البنى التقليدية. فقد أحرز المغرب خطوات مهمة من حيث إصلاح المنظومة، وإطلاق مبادرات مهيكلة مثل “مدن المهن والكفاءات”، وتوقيع اتفاقيات قطاعية واعدة، واستحداث مرصد وطني لسوق الشغل، والانفتاح على المهن الرقمية. إلا أن هذه الدينامية تواجه تحديات حقيقية ترتبط أساسا بضعف التنسيق المؤسساتي، وقصور آليات التوجيه، وتفاوت التغطية المجالية، إضافة إلى بطء التفاعل مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية.
لقد أظهر الواقع الميداني، بما في ذلك الإحصائيات الوطنية والتقارير الرسمية والدولية، أن هناك فجوة نوعية بين التكوين ومتطلبات الشغل، وأن مردودية منظومة التكوين المهني ما زالت دون المستوى المطلوب، سواء من حيث نسب الإدماج المستدام أو من حيث استشراف المهن الجديدة. كما أن استدامة الإصلاح تظل رهينة بمدى قدرة الدولة على إرساء حكامة جديدة تقوم على التعاقد، والمساءلة، والابتكار، وعلى إشراك حقيقي للمقاولات والجهات في بناء السياسة التكوينية.
وفي ضوء ما سبق، فإن تحقيق ملاءمة حقيقية بين التكوين المهني وسوق الشغل يقتضي تجاوز المقاربة التقنية البسيطة، نحو تصور استراتيجي متعدد الأبعاد، يستحضر العدالة المجالية، والتحول الرقمي، والتحفيز الاقتصادي، والذكاء الاستباقي.
وعلى هذا الأساس، يمكننا الخروج بهذه المقترحات العملية لتعزيز الملاءمة بين التكوين المهني وسوق الشغل:
• إحداث نظام وطني موحد للتوجيه المبكر يعتمد على تحليل الكفاءات الفردية، والميول المهنية، وتوقعات السوق الجهوية، ابتداء من المستوى الإعدادي، مع دمج أدوات رقمية تفاعلية.
• إرساء مجالس قطاعية وجهوية دائمة لتخطيط الشعب التكوينية وتحيينها كل سنتين، تضم الفاعلين الاقتصاديين، والمجالس الجهوية، ومؤسسات البحث العلمي، والمجتمع المدني المهني.
• رقمنة المنظومة التكوينية من خلال تجهيز جميع مؤسسات التكوين ببنيات رقمية حديثة، وتكوين الأطر التربوية في التدريس الرقمي، واعتماد منصات تعليم مفتوحة للتكوين عن بعد والتعلم الذاتي.
• إعادة هيكلة المرصد الوطني لسوق الشغل وتحويله إلى “مرصد المهارات المستقبلية”، مع توفير قاعدة بيانات ديناميكية، وربط مباشر بين مخرجاته وخريطة التكوينات الوطنية.
• تحفيز الشراكات مع المقاولات الناشئة والقطاعات الرقمية عبر آليات تمويل مشترك لتكوين الشباب في المهن المستقبلية، وربط هذا التمويل بالنتائج ومؤشرات الإدماج الفعلي.
• وضع نظام تحفيزي للأقاليم الفقيرة في البنية التكوينية يشمل دعم النقل والإيواء، وتشجيع التكوين المتنقل، وربط التكوين المهني بالمشاريع التنموية المجالية في الفلاحة، والصيد، والصناعة التقليدية.
• تعزيز الثقافة المهنية في الوسط المدرسي من خلال حملات وطنية للتوعية، وتوجيه الأسر، وإعادة الاعتبار الرمزي والاقتصادي للتكوين المهني، لكسر النظرة الدونية تجاهه.
لائحة المراجع:
أولا: الوثائق الرسمية الوطنية
1. تقارير وزارية
• وزارة الشغل والإدماج المهني، حصيلة منجزات وزارة الشغل والإدماج المهني 2017–2021، الرباط، 2021.
• وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، خارطة طريق تطوير التكوين المهني في المغرب: مدن المهن والكفاءات، الرباط، 2019.
• وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى، تقييم أداء المرصد الوطني لسوق الشغل، الرباط، 2022.
• وزارة الشغل والإدماج المهني، دراسة حول علاقة المقاولات بمنظومة التكوين المهني، الرباط، 2020.
• وزارة التربية الوطنية، تقرير حول واقع التوجيه المهني في التعليم المغربي، الرباط، 2020.
• وزارة الصناعة والتجارة، تقرير حول قطاع السيارات في المغرب: الإنجازات والتحديات، الرباط، 2020.
2. تقارير جهوية
• مجلس جهة الشرق، تقرير جهوي حول التكوين المهني ومؤشرات الإدماج، 2021.
3. الخطب الملكية
• الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، 30 يوليوز 2018.
• الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، 29 يوليوز 2019.
ثانيا: الوثائق المؤسساتية الخاصة
• OFPPT، التقرير السنوي لأداء منظومة التكوين المهني بالمغرب، الدار البيضاء، 2020.
• وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومكتب التكوين المهني، اتفاقية إطار حول صناعة الألعاب الإلكترونية، 13 ماي 2025.
ثالثا: تقارير الهيئات الدستورية الوطنية
• المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، رأي حول التكوين المهني الأساسي: من أجل منظومة مندمجة وناجعة ومنصفة، الرباط، 2019.
• مجلس المنافسة، تقرير حول التكوين الرقمي وآفاقه المستقبلية، الرباط، 2021.
رابعا: المراجع الأجنبية والدولية
1. منظمات دولية
• ILO (International Labour Organization), Skills Anticipation: A Strategic Tool for TVET Development, Geneva, 2020.
• World Bank, Digital Skills for Tomorrow’s Jobs, Washington D.C., 2022.
• World Bank, Skills Development for Employability and Productivity, Washington D.C., 2018.
• World Bank, World Development Report 2019: The Changing Nature of Work, Washington D.C., 2019.
2. الاتحاد الأوروبي ووكالاته
• CEDEFOP (European Centre for the Development of Vocational Training), Skills Forecasting and Labour Market Intelligence in the EU, Thessaloniki, 2021.
• CEDEFOP, Guidance Systems in Europe: Trends and Challenges, Thessaloniki, 2019.
3. منظمات دولية أخر
• OECD (Organisation for Economic Co-operation and Development), Strengthening Skills Systems in Developing Countries: Governance and Coordination, Paris, 2020.
4. المنتدى الاقتصادي العالمي
• World Economic Forum, The Future of Jobs Report, Geneva, 2023.

