التمكين الترابي… حين تصبح العدالة المجالية أفقًا للدولة الاجتماعية
لم يعد التمكين الترابي مجرد شعار مؤسساتي أو امتداد تقني لورش الجهوية المتقدمة، بل أضحى سؤالاً سياسياً مركزياً يعكس عمق التحولات التي تعرفها الدولة في علاقتها بالمجال. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ نموذج اجتماعي متوازن، تجد نفسها ملزمة بإعادة النظر في أنماط توزيع السلطة والموارد، بما يضمن تقليص الفوارق الترابية وتحقيق نوع من الإنصاف المجالي الذي طال انتظاره.
إن العدالة المجالية، في بعدها الحديث، لم تعد تعني فقط توزيع الاستثمارات بين الجهات، بل أصبحت ترتبط بقدرة السياسات العمومية على ضمان تكافؤ فعلي في الفرص، سواء تعلق الأمر بالولوج إلى التعليم أو الصحة أو الشغل أو البنيات التحتية. وهو ما يجعل من التمكين الترابي آلية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في المناطق التي ظلت لسنوات طويلة خارج دينامية التنمية.
في هذا السياق، يشير الأستاذ محمد بودن إلى أن العدالة المجالية تمثل أحد مداخل إعادة تشكيل الدولة الاجتماعية، حيث لا يمكن الحديث عن نموذج تنموي جديد دون معالجة الاختلالات الترابية البنيوية التي تكرس التفاوتات. كما يذهب عبد العزيز قراقي إلى أن اللاتمركز الإداري ليس مجرد إصلاح تنظيمي، بل هو رافعة استراتيجية لنقل القرار العمومي إلى مستويات أقرب للمواطن، شريطة أن يكون مصحوباً بتفويض حقيقي للاختصاصات والموارد.
ومن زاوية أخرى، يؤكد عبد الله ساعف أن التمكين الترابي لا يمكن أن يتحقق في غياب نخب محلية قادرة على إنتاج المعنى التنموي، وليس فقط تدبير البرامج والمشاريع. فالمسألة هنا ليست تقنية، بل ترتبط بمدى قدرة الفاعلين المحليين على امتلاك رؤية استراتيجية تستحضر خصوصيات المجال وتستجيب لحاجياته.
كما يبرز سعيد خمري في تحليلاته حول الحكامة الترابية أن أحد أعطاب التجربة المغربية يكمن في ضعف الالتقائية بين السياسات العمومية، مما يحد من فعالية التمكين الترابي ويحول دون تحقيق الأثر التنموي المنشود. وهو نفس المنحى الذي يسير فيه سعيد جفري، الذي يعتبر أن إشكالية العدالة المجالية ترتبط أساساً بغياب آليات تقييم دقيقة لقياس الفوارق المجالية وتوجيه السياسات بناءً على معطيات موضوعية.
وعلى المستوى المقارن، يقدم المفكر الفرنسي بيير روزنفالون تصوراً متقدماً للعدالة في بعدها الترابي، حيث يربطها بفكرة “مجتمع اللامساواة”، مؤكداً أن الدولة الحديثة مطالبة بإنتاج سياسات تعويضية تعيد التوازن للمجالات المهمشة. كما يشير أمارتيا سن، من خلال مقاربته للقدرات، إلى أن العدالة لا تقاس فقط بتوزيع الموارد، بل بمدى تمكين الأفراد والمجالات من تحويل هذه الموارد إلى فرص حقيقية للعيش الكريم.
إن التمكين الترابي، بهذا المعنى، يتجاوز كونه مجرد نقل للاختصاصات من المركز إلى الجهات، ليصبح عملية معقدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهو يطرح سؤال السلطة بقدر ما يطرح سؤال التنمية، ويعيد فتح النقاش حول طبيعة الدولة وحدود تدخلها في المجال.
غير أن تنزيل هذا الورش يواجه مجموعة من التحديات البنيوية، من بينها استمرار هيمنة المركز على القرار الاستراتيجي، وضعف الموارد المالية للجماعات الترابية، إضافة إلى محدودية الكفاءات البشرية في بعض المجالات. كما أن غياب ثقافة التقييم والمحاسبة يحد من فعالية البرامج التنموية ويجعلها في كثير من الأحيان مجرد مشاريع ظرفية دون أثر مستدام.
ولعل الإشكال الأعمق يكمن في التردد بين منطقين: منطق التحكم المركزي الذي يسعى إلى الحفاظ على وحدة القرار، ومنطق التمكين الترابي الذي يقتضي تقاسم السلطة والثقة في الفاعلين المحليين. وهو توتر يعكس صعوبة الانتقال من دولة متمركزة إلى دولة لا متمركزة بشكل فعلي.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتفعيل الجهوية المتقدمة كنص دستوري، بل بتحويلها إلى ممارسة سياسية يومية تعيد الاعتبار للمجال كفاعل أساسي في التنمية. فبدون تمكين حقيقي للجهات، ستظل العدالة المجالية مجرد خطاب نظري لا يجد طريقه إلى الواقع.
وفي النهاية، يظل السؤال معلقاً: هل نحن بصدد بناء نموذج ترابي جديد يؤسس لدولة أكثر عدلاً وإنصافاً، أم أننا نعيد إنتاج نفس الاختلالات بأدوات جديدة تحمل فقط مسميات حديثة؟

