شبكة المؤشرات… حين تتحول الحكامة من خطاب إلى أداة قياس

شبكة المؤشرات… حين تتحول الحكامة من خطاب إلى أداة قياس

لم تعد الحكامة الجيدة في السياق المغربي مجرد شعار سياسي أو توصيف نظري يُستحضر في الخطب الرسمية، بل أضحت اليوم رهانًا مؤسساتيًا حقيقيًا يقتضي أدوات دقيقة للقياس والتقييم. وفي هذا الإطار، يكتسي توجه مؤسسة وسيط المملكة نحو بناء شبكة وطنية متطورة من المؤشرات لتقييم الحكامة داخل المرفق العمومي أهمية بالغة، باعتباره انتقالًا نوعيًا من منطق التوصيف إلى منطق التقويم المبني على المعطيات.

إن هذه المبادرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العميقة التي يعرفها النموذج الإداري بالمغرب، حيث أصبحت مفاهيم مثل الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجودة الخدمات العمومية، تشكل مرتكزات أساسية في بناء الثقة بين المواطن والإدارة. فالمرفق العمومي لم يعد فضاءً مغلقًا يحتكر القرار والمعرفة، بل أصبح مطالبًا بالانفتاح والتفاعل والاستجابة لانتظارات المرتفقين، وهو ما يفرض وجود أدوات قياس موضوعية تكشف مواطن الخلل كما ترصد مظاهر التقدم.

ومن هذا المنطلق، فإن إحداث شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة يمثل خطوة استراتيجية نحو عقلنة الأداء الإداري، إذ سيمكن من إنتاج معطيات دقيقة حول فعالية السياسات العمومية، ومدى احترام مبادئ الإنصاف والنجاعة، وجودة الاستقبال، وسرعة معالجة الملفات. كما سيسهم في خلق نوع من التنافس الإيجابي بين الإدارات، قائم على تحسين ترتيبها في مؤشرات الحكامة، بدل الاكتفاء بمنطق تدبير يومي يفتقر إلى التقييم.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في بناء هذه المؤشرات، بل في كيفية تفعيلها وضمان استقلاليتها وموضوعيتها. فالتجارب المقارنة تُظهر أن المؤشرات قد تتحول في بعض الأحيان إلى مجرد أدوات شكلية تُستعمل لتجميل الصورة بدل تصحيح الاختلالات. لذلك، فإن نجاح هذه المبادرة يظل رهينًا بمدى إشراك مختلف الفاعلين، من مجتمع مدني وخبراء وأكاديميين، في صياغة هذه المؤشرات، وكذا بمدى نشر نتائجها بشكل دوري وشفاف يتيح للرأي العام الاطلاع عليها ومساءلة الجهات المعنية.

كما أن هذه الخطوة تعكس وعيًا متزايدًا بالدور الذي تضطلع به مؤسسة وسيط المملكة، ليس فقط كآلية لتلقي الشكايات، بل كفاعل مؤسساتي يساهم في تأطير النقاش العمومي حول إصلاح الإدارة وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات. فالمؤسسة، من خلال هذا التوجه، تنتقل من موقع الوساطة التفاعلية إلى موقع الاقتراح الاستراتيجي، وهو تحول يعكس نضجًا في فهم أدوارها الدستورية.

وفي العمق، تطرح هذه المبادرة سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام إرادة حقيقية لجعل الحكامة معيارًا ملزمًا في تقييم الأداء العمومي، أم أننا بصدد إنتاج خطاب جديد بأدوات تقنية؟ الجواب عن هذا السؤال سيحدده ليس فقط مدى دقة المؤشرات، بل مدى الجرأة في ترتيب المسؤوليات بناءً على نتائجها.

إن بناء شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين الإدارة والمواطن، على أساس الثقة والمساءلة والنجاعة. وهو ما يفرض أن تتحول هذه المؤشرات إلى بوصلة حقيقية توجه القرار العمومي، لا إلى مجرد أرقام تُضاف إلى تقارير رسمية لا يقرأها أحد.

في النهاية، يمكن القول إن المغرب يقف اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى جيل جديد من الإصلاح الإداري، قوامه القياس والتقييم والمحاسبة. غير أن هذه الفرصة، كغيرها، قد تضيع إذا لم تُواكبها إرادة سياسية واضحة، وثقافة إدارية تؤمن بأن الحكامة ليست خيارًا، بل شرطًا لبناء دولة حديثة تستجيب لتطلعات مواطنيها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *