شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة المرفقية: نحو قياس عقلاني لنجاعة الدولة

شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة المرفقية: نحو قياس عقلاني لنجاعة الدولة
بقلم الدكتور طلوع عبد الإله باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في ظل التحولات العميقة التي يعرفها تدبير الشأن العام بالمغرب، لم يعد الحديث عن الحكامة المرفقية ترفًا نظريًا أو شعارًا سياسويًا، بل أضحى ضرورة مؤسساتية تفرضها رهانات التنمية، ومطالب الثقة، وإكراهات النجاعة. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن فقط في تبني مبادئ الحكامة، بل في القدرة على قياسها وتقييمها بشكل موضوعي ودقيق، وهو ما يطرح بإلحاح الحاجة إلى إرساء شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة المرفقية.

إن غياب نظام وطني موحد لقياس أداء المرافق العمومية يجعل الحديث عن الإصلاحات في كثير من الأحيان محكوماً بالانطباعية والتقدير السياسي، بدل أن يستند إلى معطيات كمية وكيفية قابلة للتحليل والمقارنة. فكيف يمكن تقييم جودة الخدمات العمومية دون مؤشرات واضحة؟ وكيف يمكن مساءلة المسؤولين دون أدوات قياس دقيقة؟ بل كيف يمكن للمواطن أن يستعيد ثقته في الإدارة دون شفافية رقمية تعكس مستوى الأداء الحقيقي؟

إن الحكامة المرفقية، في جوهرها، ليست مجرد التزام أخلاقي أو قانوني، بل هي منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والمساءلة، والفعالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن هذه المبادئ تظل ناقصة الأثر ما لم يتم ترجمتها إلى مؤشرات قابلة للقياس، تسمح بتتبع الأداء، ورصد الاختلالات، واقتراح الحلول.

ومن هنا تبرز أهمية التفكير في شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة، تكون بمثابة مرجعية موحدة لقياس جودة الخدمات العمومية عبر مختلف القطاعات. هذه الشبكة ينبغي أن تقوم على مجموعة من المؤشرات الأساسية، مثل: زمن الاستجابة، جودة الخدمة، رضا المرتفقين، كفاءة الموارد البشرية، مستوى الرقمنة، شفافية الإجراءات، وعدالة الولوج إلى الخدمة.

إن إرساء مثل هذه الشبكة لا يهدف فقط إلى التقييم، بل يتجاوز ذلك إلى خلق دينامية تنافسية إيجابية بين الإدارات، حيث يصبح الأداء الجيد معيارًا للاعتراف، والتقصير سببًا للمساءلة. كما أن نشر هذه المؤشرات بشكل دوري من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين، ويكرس مبدأ الحق في الوصول إلى المعلومة، ويقوي الرقابة المجتمعية.

غير أن بناء هذه الشبكة يطرح تحديات حقيقية، في مقدمتها ضعف ثقافة التقييم داخل الإدارة، وغياب التنسيق بين المؤسسات، إضافة إلى إشكالية توحيد المعايير في ظل تنوع المرافق العمومية. كما أن نجاح هذا المشروع يقتضي توفر إرادة سياسية قوية، واستثمارًا في البنيات الرقمية، وتكوينًا مستمرًا للموارد البشرية.

وفي هذا السياق، يمكن استلهام تجارب دولية رائدة اعتمدت على مؤشرات دقيقة لتقييم الأداء العمومي، وربطت التمويل العمومي بنتائج ملموسة. كما يمكن إشراك الجامعات ومراكز البحث في بناء هذه المؤشرات، بما يضمن طابعها العلمي واستقلاليتها.

إن الرهان اليوم لم يعد فقط في إصلاح الإدارة، بل في إعادة تعريف علاقتها بالمواطن، من علاقة سلطة إلى علاقة خدمة. وهذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون أدوات قياس دقيقة، تجعل من الأداء العمومي موضوعًا للمعرفة، لا مجرد مجال للخطاب.

كما أن الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر احتكاكًا بالخدمات العمومية، يمكن أن يلعبوا دورًا محوريًا في تقييم الأداء، من خلال منصات رقمية تفاعلية تتيح لهم التعبير عن آرائهم، وتقديم ملاحظاتهم، والمساهمة في تحسين جودة الخدمات.

إن شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة المرفقية ليست مجرد مشروع تقني، بل هي خيار استراتيجي يعكس انتقال الدولة من منطق التدبير إلى منطق التقييم، ومن ثقافة الامتثال إلى ثقافة الأداء. وهي خطوة ضرورية نحو بناء إدارة ذكية، شفافة، وفعالة، قادرة على الاستجابة لتحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل.

وفي الأخير، فإن أي إصلاح لا يقاس، يبقى إصلاحًا معلقًا في الهواء. وأي حكامة لا تُؤشر، تظل مجرد نية حسنة. لذلك، فإن بناء شبكة وطنية لمؤشرات الحكامة المرفقية هو المدخل الحقيقي لترسيخ دولة النجاعة، وإعادة الاعتبار للمرفق العمومي كفضاء لخدمة المواطن، لا كعبء بيروقراطي يثقل كاهله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *