حكومة الباطرونا وإقصاء العدول: تعطيل لمصالح المواطن وفشل في الحوار
بكل ما تحمله الكلمة من مرارة واستهتار، تواصل هذه الحكومة الصماء مسلسل الهروب الممنهج إلى الأمام، تاركة مصالح المغاربة تتقاذفها أمواج الضياع والإهمال. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطن حلولا واقعية للأزمات المتراكمة، نجد أنفسنا أمام مشهد سريالي تعيشه البلاد.
السادة العدول دخلوا في إضراب مفتوح وشامل، وهو قرار لم يأت من فراغ، ولم يكن يوما غاية في حد ذاته، بل هو صرخة اضطرارية في وجه سياسة التهميش والإقصاء التي تنهجها وزارة العدل، ومن خلفها الحكومة برمتها. إن هذا الإضراب، الذي سيشل مصالح حيوية للمواطنين، هو النتيجة الحتمية لغياب إرادة سياسية حقيقية في الحوار، وللغة الاستعلاء التي تطبع تعامل المسؤولين مع فئة مهنية تعتبر ركيزة أساسية في منظومة العدالة والتوثيق بالمملكة.
أين هي تلك الإنجازات والمسارات والوعود التي صدعتم بها رؤوسنا في الحملات الانتخابية وفي المنابر الإعلامية الموالية؟ بينما يتخبط المواطن المغربي البسيط بين مطرقة الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء، وسندان تعطل المصالح الإدارية والقضائية، تطل علينا وجوه الحكومة بخطابات وردية بائسة، توحي بأننا نعيش في المدينة الفاضلة، وكأن هؤلاء الوزراء يعيشون في كوكب آخر معزول عن معاناة الشعب الذي أرهقته الزيادات المتتالية وضيق ذات اليد.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين هو رئيس الحكومة؟ وأين هو وزير العدل مما يقع اليوم؟ ولماذا يلوذون بالصمت المريب كلما تعلق الأمر بمطالب مشروعة تهم فئات عريضة من المهنيين والمواطنين على حد سواء؟ إن هذا الصمت ليس حكمة، بل هو تجسيد حي للعجز والفشل في تدبير الشأن العام، وإقرار صريح بأن هذه الحكومة لا تملك من أمرها شيئا أمام سطوة المصالح الضيقة.
لقد سقط القناع اليوم بشكل كامل، وتكشفت الحقيقة المرة التي حاول الكثيرون تجميلها. نحن لا نواجه حكومة سياسية بالمعنى المتعارف عليه، بل نحن أمام حكومة باطرونا بامتياز، حكومة تضارب المصالح، التي لا ترى في الوطن سوى كعكة يجب اقتسامها، وفي المواطن سوى رقم في معادلات الربح والخسارة.
إن الانشغال بتعيين الموالين والمقربين في المناصب الحساسة، وتعبيد الطريق أمام الرأسمالية المتوحشة للسيطرة على مفاصل الدولة، أصبح هو الشغل الشاغل لهذه النخبة التي فقدت البوصلة الأخلاقية والسياسية. لقد سئم المغاربة من الترهات والوعود الزائفة، وعافوا هذا العناد والغباء السياسي الذي يورد البلاد موارد الهلاك. فالحكومة التي تتبنى لغة فرض الأمر الواقع، وتدير ظهرها لنداءات الاستغاثة، هي حكومة فاقدة للشرعية الشعبية وللحس الوطني.
إن لغة التهميش والإقصاء التي تنهجها الحكومة الحالية مع السادة العدول، ومع غيرهم من الفئات المناضلة، تؤكد أننا نعيش تراجعا خطيرا في المسار الديمقراطي والحقوقي. فبدلا من فتح قنوات حوار جادة ومسؤولة تفضي إلى حلول ترضي الجميع وتضمن استمرار المرفق العام، نجد السلطة التنفيذية تختبئ وراء صمتها، وتراهن على عامل الوقت وتعب المناضلين، وهو رهان خاسر، لأن كرامة المهنيين ومصالح المواطنين ليست مجالا للمساومة أو المزايدة.
إن تسيير الشأن العام بعقلية المقاولة، والبحث عن الربح السريع بعيدا عن نبض الشارع وهمومه، هو قمة العبث الذي لا يمكن السكوت عنه.
إننا نعلنها اليوم بكل وضوح وقوة، وبدون مواربة، تضامننا المطلق وغير المشروط مع السادة العدول في معركتهم النضالية المشروعة، من أجل انتزاع حقوقهم والحفاظ على كرامة مهنتهم. كما نعلن تضامننا الكامل مع عموم المواطنين والمواطنات الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لهذا الاستهتار الحكومي، الذي تسبب في تعطيل مصالحهم وحقوقهم بدم بارد.
إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع بالكامل على عاتق هذه الحكومة العوجاء، التي غلبت منطق الليبرالية المتوحشة على منطق الدولة الاجتماعية التي يدعون بناءها زورا وبهتانا.
إن الوطن الجريح يستحق مدبرين يشعرون بأنين الشعب، لا تجارا يقتاتون على أزماته. كفى استهتارا بمستقبل البلاد، وكفى صمتا مخجلا أمام ضياع حقوق العباد. فقد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى، والمواطن الذي أدرك حقيقتكم لن يغفر لكم هذا العبث بمصيره ومصير أبنائه.

