سطات بين اقتصاد المقاهي وهجرة الكفاءات: حين يتحول الموقع الاستراتيجي إلى فرصة مهدورة

سطات بين اقتصاد المقاهي وهجرة الكفاءات: حين يتحول الموقع الاستراتيجي إلى فرصة مهدورة
بقلم : الدكتور عثمان سمير

ليست مدينة سطات مجرد نقطة جغرافية قريبة من الدار البيضاء، بل هي مرآة تعكس اختلالًا عميقًا في نموذج التنمية المحلية. مدينة تنبض بآلاف الطلبة، وتعيش على إيقاع المقاهي والمطاعم والمكتبات، لكنها في العمق تعاني من فقر في القيمة المضافة، وعجز في خلق دينامية اقتصادية حقيقية.

لقد أصبح الاقتصاد المحلي، بشكل شبه معلن، رهينًا بالطلبة. أكثر من 45% من النشاط التجاري يرتبط بالاستهلاك الطلابي، وهو رقم يكشف حجم الارتهان لنموذج اقتصادي هش، موسمي، وغير منتج. فالمقاهي قد تمتلئ، والشقق قد تُكرى، لكن فرص الشغل المؤهلة تظل شحيحة، والاستثمار المنتج يظل غائبًا أو في حدوده الدنيا.

غياب الصناعة… غياب الأفق

في قلب هذا الاختلال، يبرز غياب مناطق صناعية مهيكلة كواحد من أبرز الأعطاب البنيوية. كيف يمكن لمدينة بهذا الموقع الاستراتيجي أن تظل خارج خريطة الاستثمار الصناعي؟ وكيف يُعقل أن تظل جاذبية سطات ضعيفة في نظر المستثمرين، في وقت تتسابق فيه المدن المجاورة لاحتضان المشاريع الكبرى؟

إن غياب الوعاء الصناعي ليس فقط غيابًا للمصانع، بل هو غياب لرؤية تنموية متكاملة، قادرة على خلق فرص شغل مستقرة، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي خارج منطق الاستهلاك.

شباب يغادر… ومدينة تُفرغ من روحها

حين تتجاوز بطالة الشباب عتبة 30%، لا يعود الحديث عن أرقام، بل عن نزيف حقيقي في الرأسمال البشري. خريجو سطات، بدل أن يكونوا وقود التنمية، يتحولون إلى مهاجرين داخليين نحو الدار البيضاء أو الرباط، بحثًا عن فرص لا توفرها مدينتهم.

هجرة الكفاءات ليست فقط خسارة بشرية، بل هي أيضًا ضربة قاصمة لأي أمل في بناء اقتصاد محلي قوي. فكيف يمكن لمدينة أن تنهض وهي تفقد يوميًا أفضل ما تنتجه جامعاتها؟

مالية محلية بموارد محدودة وطموحات مكبّلة

تعتمد الجماعات المحلية بسطات على موارد جبائية تقليدية — الرسم المهني، رسم السكن، ورسوم الخدمات — وهي موارد لا تمثل سوى أقل من 20% من إجمالي المداخيل. في ظل ضعف النشاط الاقتصادي، تصبح هذه الموارد غير كافية لتمويل مشاريع هيكلية قادرة على إحداث التحول المنشود.

إنها حلقة مفرغة: اقتصاد ضعيف يولد موارد ضعيفة، وموارد ضعيفة تعجز عن خلق اقتصاد قوي.

اتفاقيات بلا أثر… أم أثر بلا مساءلة؟

كثيرة هي الاتفاقيات والشراكات التي تُوقّع، وقليلة هي النتائج التي تُلمس. المشكلة لا تكمن في غياب النوايا، بل في غياب الصرامة في التنفيذ، وانعدام آليات التتبع والتقييم.

الاتفاقيات، في غياب مؤشرات واضحة وقابلة للقياس، تتحول إلى مجرد واجهة للتواصل المؤسساتي، بدل أن تكون أدوات فعلية لتحفيز الاستثمار والتشغيل.

نحو تحول هيكلي… أو مزيد من التيه

إن إنقاذ سطات من هذا الوضع لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى قرارات جريئة:

إحداث مناطق صناعية حقيقية، لا مجرد تصاميم على الورق؛

دعم ريادة الأعمال الشبابية، ليس عبر الخطابات، بل عبر التمويل والمواكبة؛

ربط الجامعة بالمقاولة في إطار شراكات منتجة، تُقاس بنتائجها لا بنواياها؛

تعزيز الحكامة المحلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تنفيذ المشاريع؛

خلق بيئة حاضنة للابتكار، تجعل من سطات فضاءً جاذبًا لا طاردًا للكفاءات.

سطات لا تعاني من غياب الإمكانيات، بل من غياب التحويل الذكي لهذه الإمكانيات إلى قيمة اقتصادية. هي مدينة تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تظل أسيرة اقتصاد المقاهي، أو أن تنخرط في تحول هيكلي حقيقي يجعل منها قطبًا اقتصاديًا إقليميًا.

وحدها الإرادة السياسية، مقرونة بالحكامة الجيدة، قادرة على نقل سطات من الهامش إلى الفعل… ومن الاستهلاك إلى الإنتاج.

One thought on “سطات بين اقتصاد المقاهي وهجرة الكفاءات: حين يتحول الموقع الاستراتيجي إلى فرصة مهدورة

  1. الجماعات الترابية هي النواة الأساسية للتنمية المحلية و لكن النظام السياسي الذي يؤطر الجماعات الترابية لا يمت بصلة للتنمية إن لم يكن عدوا لها. الدول” المتخلفة”مفروض عليها أن ترفع شعار : انظرونا نحن دول ديمقراطية. يعني الديمقراطية التي تريدونها لتا و ليست كديمقراطيتكم أنتم التي تقدمتم بها و المبنية على العدالة بكل تجلياتها. ديمقراطيتنا كما أردتم لنا خلفتنا قرونا وراءكم. في الدول المتخلفة تمارس السياسة للوصولية و الانتهازية و تغييب المصالح العامة للبلاد على عكس الدول الاستعمارية ، ببعد نظرها، تمارس السياسة للذفع بالأمة لتكون محترمة و في مصاف الدول الرائدة اقتصاديا و مهيمنة علميا و فكريا. دول جنوب شرق آسيا استثمرت إمكانياتها الاقتصادية في محاربة الفقر و الجهل و تطورت بشكل لافت حيث انسلخت عن الامبراطوريات الاستعمارية و وجدت لنفسها مكانا بين الأمم بينما الدول التي تخاف أن تصيبها دائرة ظلت منبطحة و متعلقة بأهداب أسيادها حتى فقدت البوصلة و أذاقت شعوبها كل أنواع التخلف رغم موارها المعدنية التي لا تمتلكها أوروبا و التي لولاها ما عرف الغرب كل هذا التقدم . أوروبا استثمرت في الرأسمال البشري بينما الدول المتخلفة أهانته. و النتيجة ، هو شعوبهم يعرفون على من ينتخبونه للقيام بالمصلحة العامة و على النقيض من ذلك لا المسؤول و لا من انتخب عليه يعلمون لماذا الانتخابات.
    التنمية المحلية تحتاج إلى مجالس قوية و مثقفة و على ذراية بالأوضاع المعيشة و كفءة و نزيهه نزيهة و لن يتأتى هذا إلا من خلال مجتمع تنعدم فيه الأمية و الجهل و يسود فيه الوعي وإلا فاقتصاد المقاهي يظل قابعا لملأ الفراغ و تخلفت البلاد و العباد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *