سقوط الأقنعة
لم يعد من قبيل المبالغة القول ان حزب العدالة والتنمية قد دخل مرحلة التيه السياسي التي تسبق الانهيار الشامل فالمتابع لمسار هذا الحزب منذ صعوده على اكتاف الربيع العربي وصولا الى سقوطه المدو يدرك اننا امام ظاهرة فريدة في التدجيل السياسي حيث يتم استخدام المرجعية الدينية غطاء لممارسات تفتقر الى ادنى مقومات النزاهة الفكرية ان التناقض الذي يسم خطاب الحزب ليس مجرد ارتباك في التقدير بل هو منهج متأصل في بنية تقتات على ازدواجية المعايير وتجيد اللعب على الحبال المتناقضة لضمان البقاء في دائرة المصلحة الضيقة
تبدأ فصول الحكاية من شعار محاربة الفساد الذي تحول الى عبء ثقيل تم التخلص منه عند اول منعرج فجملة عفا الله عما سلف لم تكن مجرد زلة لسان بل كانت اعلانا صريحا عن مهادنة الريع فكيف يمكن لحزب يبني مجده على الطهرانية ثم يتحول هو نفسه الى الة لتوزيع الامتيازات والمعاشات الاستثنائية التي كشفت القناع عن زهد كاذب وتواضع مصطنع كان الغرض منه فقط استمالة الاصوات ان حالة الفصام بلغت مداها حين نرى الحزب اليوم يمارس المعارضة ضد قرارات هو من هندسها ووقع عليها بيده فمن يصدق ان الحزب الذي فرض على المغاربة تلك الساعة الاضافية المشؤومة التي اربكت حياة الملايين وهدمت استقرار الاسر هو نفسه الذي يحاول اليوم وبوقاحة سياسية نادرة ان يلبس ثوب الناقد والرافض لها وكأن الذاكرة الجمعية للمغاربة مثقوبة لا تذكر من كان صاحب القرار داخل المجلس الحكومي
ان المثير للاشمئزاز هو استهداف الحزب للنجاحات الميدانية التي تحرج فشله الذريع ولعل الحملة المسعورة ضد رئيس جماعة القصر الكبير محمد السيمو تعكس بوضوح حالة الافلاس فبينما ينجح الرجل في تمتين العلاقات الاستراتيجية مع الجارة البرتغال عبر اتفاقيات توأمة وتخليد اسم مدينة مغربية في قلب شوارع لاغوس البرتغالية يخرج سدنة المظلومية لتبخيس هذا المنجز بدافع الحقد فقط انهم يهاجمون الانفتاح على البرتغال وهم يعلمون اننا في خندق واحد مع جيراننا لتنظيم مونديال 2030 وان البرتغال ضيف شرف في محافلنا الكبرى لكن هوس الكراسي اعمى ابصارهم حتى اصبحوا يهاجمون كل من رفع سقف الانجاز وخدم مدينته بفعالية بعيدا عن تجارة الكلام
اما قمة العبث والبهلوانية السياسية فقد تجلت في ملف التطبيع فهنا سقطت ورقة التوت الاخيرة فبعد عقود من المزايدات واصدار صكوك التخوين وجد الحزب نفسه في موقف المخزي وهو يوقع بيد امينه العام ورئيس حكومته انذاك على الاتفاق الثلاثي تحت انظار جلالة الملك وفي اطار مقتضيات الدولة ليعود اليوم بكل صلف لممارسة الازدواجية وانتقاد التطبيع في محاولة بائسة لاستغباء القواعد ان هذا السقوط كشف ان الحزب لا يملك ثوابت بل يملك اقنعة تتحور حسب المصالح وما الشعارات العقائدية الا ادوات تعبئة تنتهي صلاحيتها عند عتبة السلطة
لا يمكن قراءة هذا المسار الا بوصفه حالة من الانفصام السياسي حيث يعيش الحزب بلسانين لسان للمزايدات ولسان للتوقيعات وهذا التناقض هو الذي اعدم الثقة بينه وبين الشعب ان حزب العدالة والتنمية اليوم يواجه حقيقته المرة وهي حقيقة حزب استنفد كل رصيده من المناورة ولم يعد يملك سوى اجتراء الماضي والبكاء على اطلال شعبية تبخرت بسبب الغرور وافتقاد الشجاعة لمواجهة الذات ان الدرس القاسي الذي تلقاه الحزب يؤكد ان اللعب بالعواطف الدينية قد ينجح في جولة لكنه يسقط صريعا امام صخرة الواقع والنتائج الملموسة التي لم يجن منها المواطن سوى الخيبات المتتالية وسياسات التفقير التي غلفت برداء التقوى الزائفة بينما يهاجمون الشرفاء الذين اختاروا لغة العمل الميداني والدبلوماسية الموازية الناجحة التي تشرف المغرب في المحافل الدولية

