حين تعجز الإدارة… ويتكلم المواطن: التحول الرقمي كرهان لإنقاذ الثقة الترابية

حين تعجز الإدارة… ويتكلم المواطن: التحول الرقمي كرهان لإنقاذ الثقة الترابية
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

لم يعد النقاش حول التحول الرقمي ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسويًا يُستهلك في الندوات والتقارير، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يتعلق بقدرة الدولة، وخاصة في مستوياتها الترابية، على الاستمرار كفاعل موثوق في أعين المواطنين. فحين يقف المواطن أمام شباك مغلق، أو مسطرة معقدة، أو موظف عاجز، لا يسأل عن النصوص القانونية، بل عن جدوى الدولة نفسها.
في المغرب، كما في غيره من الدول التي تعيش على إيقاع الانتقال الرقمي، لم يعد التحدي في “إدخال الحاسوب” إلى الإدارة، بل في تغيير عقل الإدارة. لأن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الوسائل، بل في غياب الإرادة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن.
التحول الرقمي، في جوهره، ليس مجرد منصة إلكترونية أو تطبيق هاتفي، بل هو إعلان صريح عن نهاية زمن “السلطة الورقية”، وبداية زمن “السلطة الذكية”. سلطة لا تُقاس بقدرتها على التعقيد، بل بقدرتها على التبسيط. ولا تُقاس بمدى حضورها الفيزيائي، بل بمدى حضورها في حياة المواطن اليومية.
لكن، هل نجحنا فعلاً في هذا الانتقال؟
الجواب، بكل صراحة، هو أننا ما زلنا في منتصف الطريق، وربما أقل. لأن ما نعيشه اليوم هو نوع من “الرقمنة الشكلية”، حيث تم نقل بعض المساطر إلى الفضاء الرقمي، دون أن يتم تفكيك المنطق البيروقراطي الذي يحكمها. فبدل أن نُبسّط الإجراءات، قمنا برقمنتها وهي معقدة، فانتقل التعقيد من الورق إلى الشاشة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: التكنولوجيا التي كان يفترض أن تحرر المواطن من بطء الإدارة، أصبحت أحيانًا تعيد إنتاج نفس الأعطاب، ولكن بشكل أكثر “حداثة”. فالمواطن لم يعد ينتظر في الطابور، بل ينتظر أمام شاشة… والنتيجة واحدة: زمن ضائع وثقة مهزوزة.
الرهان الحقيقي اليوم ليس في تعميم الرقمنة، بل في تعميم العدالة الرقمية. لأن الفجوة لم تعد فقط بين من يملك ومن لا يملك، بل بين من يستطيع الولوج إلى الخدمة ومن يُقصى منها بسبب الأمية الرقمية، أو ضعف البنية التحتية، أو حتى غياب المواكبة.
وهنا يبرز البعد الاجتماعي للتحول الرقمي، الذي غالبًا ما يتم تجاهله في النقاشات التقنية. فالشباب، على سبيل المثال، يُفترض أنهم الأكثر انسجامًا مع الرقمنة، لكنهم في الواقع الأكثر إحباطًا حين يصطدمون بإدارة “رقمية في الشكل، تقليدية في الجوهر”. إدارة لا تفهم سرعة جيل، ولا تستوعب انتظاراته.
إن أزمة الفعل الترابي اليوم ليست فقط أزمة موارد، بل أزمة ثقة. والمفارقة أن الرقمنة، التي كان يفترض أن تعيد بناء هذه الثقة، قد تتحول إلى عامل إضافي لتآكلها، إذا لم تُصاحب بإصلاح عميق في الثقافة الإدارية.
لأن الإدارة التي لا تثق في المواطن، لن تنجح في بناء نظام رقمي فعال. والعكس صحيح: المواطن الذي لا يثق في الإدارة، لن يستعمل خدماتها الرقمية، حتى لو كانت متطورة.
ثم إن التحول الرقمي يطرح سؤال السلطة: من يتحكم في المعطيات؟ من يضمن حمايتها؟ ومن يحدد كيفية استعمالها؟ لأننا لا ننتقل فقط إلى إدارة رقمية، بل إلى “مجتمع بيانات”، حيث تصبح المعلومة سلطة، وقد تكون أداة للتمكين… أو للإقصاء.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن الحكامة الرقمية ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة سياسية. حكامة تُؤسس على الشفافية، لا على الغموض. وعلى المشاركة، لا على الإقصاء. وعلى المساءلة، لا على الإفلات.
لكن، لنكن واضحين: لا يمكن لأي تحول رقمي أن ينجح بدون إنسان رقمي. والإنسان هنا ليس مجرد مستعمل للتكنولوجيا، بل فاعل واعٍ، قادر على التفاعل، والمساءلة، والاقتراح. وهذا يطرح تحديًا كبيرًا أمام المدرسة، والجامعة، والإعلام.
لأننا لا نحتاج فقط إلى مهندسين، بل إلى مواطنين رقميين. مواطنين يفهمون حقوقهم، ويدافعون عنها، ويشاركون في صياغة مستقبلهم.
إن الجماعات الترابية، باعتبارها الحلقة الأقرب إلى المواطن، مطالبة اليوم بأن تتحول من مجرد منفذ للسياسات، إلى مختبر للابتكار. فضاء لتجريب حلول رقمية محلية، تستجيب لحاجيات حقيقية، لا لدفاتر تحملات مستوردة.
فالتحول الرقمي لا ينجح بالاستنساخ، بل بالإبداع. ولا يُفرض من الأعلى، بل يُبنى من الأسفل.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: هل نريد التحول الرقمي؟ لأن الإجابة محسومة. بل السؤال الحقيقي هو: أي تحول رقمي نريد؟ هل نريده كواجهة تجميلية لإدارة تقليدية؟ أم كمدخل جذري لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن؟
الاختيار واضح، لكن الطريق ليس سهلاً.
لأن التحول الرقمي، في عمقه، ليس مجرد مشروع تقني… بل هو مشروع ثقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *