حين تصبح الجماعات الترابية رهينة السياسة… تضيع التنمية

حين تصبح الجماعات الترابية رهينة السياسة… تضيع التنمية
بقلم: بوشعيب نجار 

تُعدّ الجماعات الترابية في كل التجارب الناجحة النواة الصلبة للتنمية المحلية، والرافعة الأساسية لتحقيق العدالة المجالية وتقريب الخدمات من المواطن. غير أن هذا الدور الحيوي يظل، في كثير من السياقات، معطّلا أو مشوّها بفعل نظام سياسي لا يُسعف هذه الجماعات بقدر ما يثقل كاهلها بقيود بنيوية تُفرغها من مضمونها التنموي.

المفارقة الصارخة أن الديمقراطية، التي يُفترض أن تكون أداة للتقدم، تحولت في بعض الدول إلى مجرد واجهة شكلية تُرفع كشعار للاستهلاك الخارجي، بدل أن تكون ممارسة حقيقية قائمة على العدالة وربط المسؤولية بالمحاسبة. هكذا تُصنع “ديمقراطيات على المقاس”، لا تُشبه النماذج التي حققت بها الدول المتقدمة نهضتها، بل تُنتج نسخاً مشوهة تُكرّس التخلف بدل تجاوزه.

في هذا السياق، تتحول الممارسة السياسية من وسيلة لخدمة الصالح العام إلى آلية للوصولية والانتهازية، حيث تُغيب المصلحة الوطنية لصالح حسابات ضيقة. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن الدول التي استطاعت أن تفرض نفسها اقتصادياً وعلمياً، قد جعلت من السياسة أداة استراتيجية للنهوض بالأمة، مستثمرة في الإنسان قبل كل شيء.

تجارب دول جنوب شرق آسيا تقدم درساً بليغاً في هذا الباب؛ إذ راهنت على التعليم ومحاربة الفقر والجهل، وانخرطت في مسار تنموي واضح المعالم، مكّنها من التحرر من إرث الهيمنة وبناء موقع متقدم ضمن الاقتصاد العالمي. في المقابل، لا تزال دول أخرى، رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية، أسيرة التبعية وسوء التدبير، تُهدر إمكانياتها وتُقصي رأسمالها البشري بدل أن تؤهله.

إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في النصوص أو الهياكل، بل في طبيعة الوعي المجتمعي والممارسة السياسية. فحين يغيب الوعي، تُفرغ الانتخابات من معناها، ويصبح الناخب غير مدرك لرهانات اختياره، كما يصبح المنتخب بدوره عاجزاً عن استيعاب حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

التنمية المحلية الحقيقية تحتاج إلى مجالس قوية، بكفاءات مؤهلة، ونخب سياسية نزيهة ومتمكنة، قادرة على فهم انتظارات المواطنين وترجمتها إلى سياسات عمومية فعالة. غير أن هذا الهدف يظل بعيد المنال في ظل تفشي الأمية وضعف الوعي، حيث يملأ “اقتصاد المقاهي” الفراغ، وتُختزل النقاشات في شعارات عابرة بدل أن تكون رافعة للتغيير.

إن الرهان اليوم لا يقتصر على إصلاح الجماعات الترابية في حد ذاتها، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء الثقة في الفعل السياسي، وترسيخ ثقافة المواطنة، والاستثمار الحقيقي في الإنسان باعتباره حجر الزاوية في كل مشروع تنموي. دون ذلك، ستظل التنمية شعاراً مؤجلا، وتبقى الجماعات الترابية تدور في حلقة مفرغة، بين طموح النصوص وواقع الممارسة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *