المرافقات بالمدارس الخصوصية بين سندان الاستغلال ومطرقة الغياب الرقابي
في قلب الفصول الدراسية للمدارس الخصوصية، وتحديداً عند عتبات أبوابها حيث تبدأ رحلة التعلّم اليومية، تقف نساء يُعرفن بـ”المرفقات” أو مربيات التعليم الخصوصي اللواتي يرافقن التلاميذ في النقل المدرسي الخاص، ويقمن بأدوار تربوية وإنسانية بالغة الأهمية. غير أن ما تخفيه الكواليس، يكشف واقعاً صادماً لهن، تتقاطع فيه الهشاشة مع غياب الحماية القانونية، في قطاع يُفترض أنه رافعة للتنمية البشرية.
تفيد شهادات متطابقة أن العديد من المرافقات في مؤسسات التعليم الخصوصي يتقاضين أجوراً شهرية لا تتجاوز 1200 درهم، رغم أنهن يشتغلن ساعات طويلة تمتد من السابعة صباحاً إلى الثامنة مساءً، دون احتساب العطل، أو الاستفادة من تأمين صحي، أو تعويضات عن الساعات الإضافية. وتزداد الصورة قتامة أيام السبت، حيث تُجبر الكثير منهن على القيام بأشغال التنظيف داخل المؤسسة، أو ما يُعرف بـ”الميناج”، فضلاً عن غسل سيارات النقل المدرسي، دون أي مقابل إضافي، وفي تجاهل تام للكرامة الإنسانية وأبسط الحقوق المهنية.
وضعٌ لا ينسجم إطلاقاً مع الحد الأدنى للأجور الذي ينص عليه قانون الشغل المغربي، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام هذه المؤسسات للحقوق الاجتماعية الأساسية.
يؤكد مختصون في قانون الشغل أن ما تتعرض له هذه الفئة يمثل خرقاً واضحاً لمقتضيات مدونة الشغل، التي تنص على الحق في الأجر العادل، وساعات العمل المحددة، والحماية الاجتماعية. إلا أن ضعف آليات المراقبة، وتراخي الجهات المعنية عن تطبيق القانون، يتيح لهذه الخروقات أن تستمر، بل وتترسخ كأمر واقع في عدد كبير من المؤسسات التعليمية الخاصة.
ورغم أهمية الدور التربوي والاجتماعي الذي تلعبه المرفقات، فإن صوتهن يظل خافتاً، بفعل غياب التمثيلية النقابية في معظم المؤسسات الخاصة، وخوف الكثيرات من فقدان مصدر رزقهن الوحيد. كما أن الجهات الوصية، بما في ذلك وزارة التربية الوطنية ووزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة والتشغيل، تبدو بعيدة عن متابعة هذه الاختلالات، ما يجعل من التعليم الخصوصي “منطقة رمادية” من حيث احترام حقوق الشغيلة.
في ظل هذا الوضع، تتعالى أصوات حقوقية ومدنية تطالب بضرورة التدخل العاجل لإنصاف هذه الفئة، عبر فرض احترام قانون الشغل، وتشديد المراقبة على المؤسسات الخاصة، وإحداث آلية مستقلة لتلقي شكايات العاملات في هذا القطاع، دون تعريضهن للعقاب أو الطرد التعسفي.
من ينقذ هذه الفئة؟ سؤال تطرحه مئات المرافقات كل يوم، في صمت قاسٍ ومواصلة مريرة للعمل، في ظل غياب الإنصاف والحماية.
إن النهوض بجودة التعليم يمر حتماً عبر ضمان كرامة جميع العاملين فيه، فلا يمكن الحديث عن مدرسة مواطنة في ظل استمرار استغلال من يربّون أجيالها الأولى.

