حين تتحدث إفريقيا لغة السيادة الغذائية… والمغرب يُقترح مرجعية
في لحظة فارقة من تاريخ التعاون الإفريقي، ألقى النائب البرلماني المغربي محمد غياث، نائب رئيس البرلمان المغربي ، خطاباً لافتاً باسم المملكة المغربية، ضمن فعاليات أحد اللقاءات القارية المخصصة لموضوع السيادة الغذائية في إفريقيا. خطاب مهني، هادئ في نبرته، لكنه صريح في مضمونه، وضع الأصبع على جوهر التحدي الإفريقي: كيف نُطعم أنفسنا بوسائلنا الذاتية، دون أن نخضع لتقلبات الأسواق أو شروط المؤسسات الدولية.
غلب على كلمة محمد غياث طابع الرؤية الاستراتيجية، حيث لم يُطرح الأمن الغذائي كمسألة ظرفية، بل كأولوية وجودية تقف في صلب الاستقلال الفعلي لدول القارة. من أزمة المناخ إلى ندرة المياه، ومن الاختلالات في سلاسل القيمة إلى التبعية في استيراد الغذاء، بدت التحديات واضحة، لكن الأهم أن المغرب لم يكتف بالتشخيص، بل عرض نموذجاً مجرباً، ومقترحاً للتعاون جنوب-جنوب، من موقع الفاعل لا الواعظ.
ما يلفت في كلمة غياث أن المغرب لم يقدم نفسه كدولة مانحة أو وصية، بل كشريك متضامن. أربعة محاور حددت معالم النموذج المغربي: الإدارة الذكية للماء، تطوير سلاسل القيمة، تمكين الفلاحين الأسريين، وأخيراً، تأطير السياسات الزراعية ضمن أطر تنظيمية منصفة. وهي مرتكزات ليست فقط قابلة للتصدير، بل قابلة للتوطين بحسب خصوصيات كل بلد إفريقي.
كما شدد غياث على أهمية عدم التنازل عن السيادة الوطنية عند التفاوض في الاتفاقيات الدولية، والدعوة لتقنين حماية النظم الزراعية الإفريقية، بما فيها البذور والمعارف التقليدية، عبر تشريعات واضحة وصناديق مالية قارية موجهة.
اللافت في السياق السياسي المغربي، هو التناقض الصارخ بين انتقادات الداخل لبرامج التنمية، وبين التقدير الذي تحظى به التجربة المغربية خارجياً. فمن جهة، لا تمر مناسبة دون التشكيك في فعالية مخططات المغرب الأخضر أو السياسات الفلاحية، ومن جهة أخرى، نجد رؤساء وبرلمانيي دول إفريقية يطالبون المغرب بمواكبتهم على نفس النهج.
هل نحن أمام فجوة في الخطاب بين من يعيش المشروع ومن يرصده؟ أم أن السياق الدولي يُعيد الاعتبار لمنطق الدولة التي تفكر على المدى البعيد، رغم كل العثرات؟
من أبرز مقترحات غياث، دعوته لإنشاء منتديات برلمانية وطنية تعنى بالسيادة الغذائية، وهو ما يفتح الباب أمام دور جديد للمؤسسات التشريعية في الدفاع عن الحق في الغذاء كحق سيادي، وليس فقط كشأن تقني. إنها لحظة وعي برلماني مشترك قد تساهم في صناعة جبهة تشريعية موحدة داخل الاتحاد الإفريقي.
خطاب محمد غياث لم يكن مجرد كلمة مجاملة ديبلوماسية، بل وثيقة سياسية تؤطر لعقيدة جديدة في التعاون الإفريقي، قوامها: السيادة أولاً، الشراكة لا التبعية، والهوية الغذائية كجزء لا يتجزأ من كينونتنا القارية.
ربما حان الوقت كي يُعيد الداخل المغربي النظر في كيف يرى ذاته، عندما يتحدث الخارج عنه باحترام. فبين خطاب النقد المشروع، والاعتراف الدولي بالمنجز، هناك مجال لتقدير أكثر توازنا، وأكثر نضجا.

