استغلال “مختلين” عقليًا في تأسيس شركات وهمية يطيح بشبكات تهرب جمركي بالمغرب

استغلال “مختلين” عقليًا في تأسيس شركات وهمية يطيح بشبكات تهرب جمركي بالمغرب

في تطور صادم يعكس خطورة بعض أساليب التهرب من أداء الرسوم الجمركية، كشفت مصادر عليمة عن وقائع موثقة لاستغلال أشخاص مختلين عقليًا في تأسيس شركات وهمية، تُستخدم كغطاء لعمليات استيراد غير قانونية، تشمل التلاعب في الفواتير والتصنيفات الجمركية، والاحتيال الضريبي واسع النطاق.

هذه الوقائع، التي وصفت بـ”الخطيرة وغير المسبوقة”، ظهرت إلى العلن في سياق عمليات مراجعة جمركية بعدية، باشرتها فرق تفتيش جهوية تابعة للإدارة العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة، استهدفت شركات مشبوهة في عدد من المدن، وعلى رأسها الدار البيضاء وطنجة.

وأفادت المعطيات الأولية أن مفتشي الجمارك اكتشفوا، خلال طلب تبريرات حول صفقات استيراد غير منضبطة، أن بعض الشركات المسجلة لا يُسيرها فعليًا أصحابها المفترضون، بل أشخاص لا يتوفرون على الأهلية القانونية أو العقلية الكافية لمباشرة أي نشاط تجاري.

وتبين أن عددًا من هؤلاء المسيرين موضوعون تحت إجراءات قضائية تمنعهم من إصدار الشيكات أو التصرف في الأموال، بل تبين أن بعضهم يعاني من اضطرابات عقلية موثقة، مما يشير إلى استغلال واضح لوضعيتهم الصحية لتأسيس شركات وهمية تُستعمل كأدوات للاحتيال على النظام الجمركي والضريبي.

التحقيقات الأولية، المدعومة بمعطيات من قسم الوقاية ومصلحة تبادل المعلومات، كشفت عن شبكة من الشركات التي تتعامل فيما بينها في حلقات مغلقة، من أجل تبرير تحويلات مالية مشبوهة وتضخيم فواتير غير حقيقية. وتم رصد إيداعات وتحويلات بنكية ضخمة في حسابات هذه الشركات الوهمية، مصدرها شركات متخصصة في “إنتاج الفواتير”، إضافة إلى “مقاولين ذاتيين” تم تجنيدهم كواجهة لإخفاء المستفيدين الحقيقيين.

كما كشفت مراجعات محاسبية سريعة، استنادًا إلى تصريحات ضريبية عن السنتين الأخيرتين فقط، عن خروقات جسيمة في التصاريح، وتناقضات فاضحة بين المداخيل المعلنة والمعاملات البنكية الفعلية.

وفي مواجهة هذا الوضع، سارعت مصالح الجمارك إلى التنسيق مع المديرية العامة للضرائب وبنك المغرب، حيث أُجريت عملية تبادل إلكتروني للمعطيات لتحديد هوية الشركات المشبوهة وعلاقاتها المالية، وتم بالفعل ربط عدد من التحويلات بين مقاولات من نفس النسيج المشبوه.

كما استفادت إدارة الجمارك من إشعارات صادرة عن مصالح الضرائب حول مقاولات تقدمت، في توقيت مشبوه، بطلبات تغيير مقراتها الاجتماعية، ما دفع إلى توسيع نطاق التحقيق ليشمل محاولات محتملة لطمس الأدلة أو التخلص من الوثائق المحاسبية.

وتفتح هذه القضية الخطيرة الباب واسعًا على نقاش حاد حول الرقابة على تأسيس المقاولات في المغرب، إذ يبدو أن النظام الحالي، رغم الرقمنة، لا يزال يسمح بمرور شركات وهمية مسيرة من طرف أشخاص فاقدين للأهلية القانونية أو ضحايا استغلال، ما يُحتم مراجعة عميقة للإجراءات المتعلقة بالتحقق من هوية المسيرين وأهليتهم القانونية.

كما تطرح هذه الواقعة إشكالية أمن النظام الجبائي والمالي ككل، إذ أن تكرار مثل هذه الحالات يهدد بزعزعة الثقة في مناخ الأعمال، ويضرب مبدأ الشفافية الذي تسعى السلطات لتكريسه.

وفي ظل هذه المعطيات، يتعين على الحكومة والسلطات الرقابية التحرك بسرعة وحزم، ليس فقط لتفكيك هذه الشبكات ومحاسبة المسؤولين عنها، بل أيضًا لتحصين النظام القانوني والمالي ضد أي استغلال مماثل مستقبلاً، سواء عبر تقوية شروط تأسيس الشركات، أو تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الإدارات، أو تفعيل المتابعة القضائية في مواجهة كل من استغل مختلين عقليًا في أغراض احتيالية.

فالمعركة ضد التهرب الجمركي والضريبي ليست فقط تقنية، بل هي أيضًا معركة أخلاقية وقانونية لحماية كرامة الإنسان وضمان عدالة اقتصادية حقيقية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *