الأجهزة الأمنية تتحرك لوقف موجة العنف المتصاعدة في مدن طنجة وتطوان وأكادير

الأجهزة الأمنية تتحرك لوقف موجة العنف المتصاعدة  في مدن طنجة وتطوان وأكادير

تشهد مدن طنجة وتطوان وأكادير في الأيام الأخيرة حالة استنفار أمني غير مسبوقة، على خلفية تصاعد وتيرة الأفعال الإجرامية، وتفشي مشاهد العنف العلني التي باتت تهدد الأمن العام وتثير قلق السكان. ووفق ما أفادت به مصادر أمنية متطابقة، فإن السلطات الأمنية أطلقت حملة واسعة النطاق تستهدف الشبكات الإجرامية والعناصر المتورطة في ترويع المواطنين، خصوصاً في الأحياء التي عرفت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاعتداءات والاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة البيضاء.

مصادر أمنية أكدت أن الحملة الجارية تتسم بالصرامة والسرعة في التنفيذ، وتهدف إلى وضع حد لحالة الانفلات الأمني التي تعيشها بعض الأحياء في المدن الثلاث. هذه التحركات جاءت كرد فعل مباشر على انتشار مشاهد صادمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، توثق تراشقات بالسيوف، اعتداءات في الشارع العام، بل واستهداف عناصر أمنية أثناء تأدية مهامهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن هذه الصور المنتشرة على منصات مثل “فيسبوك” و”تيك توك”، ساهمت في دق ناقوس الخطر، ما جعل من التدخل السريع أولوية أمنية ملحة، وذلك ضمن مقاربة جديدة تراهن على الاستباق بدل الرد الفعلي بعد وقوع الجرائم.

في مدينة طنجة، حيث تشهد بعض الأحياء الشعبية توترًا متزايدًا، شددت السلطات الأمنية من قبضتها من خلال تعزيز الحضور الميداني ونشر سدود قضائية عند مداخل الأحياء ومخارج المدينة. وتم تركيز الجهود على راكبي الدراجات النارية، الذين يُشتبه في ضلوع عدد منهم في عمليات سرقة بالخطف طالت نساء ومارة في وضح النهار.

الاستراتيجية المعتمدة تعتمد على دوريات متنقلة مدعومة بتقنيات مراقبة متطورة، واستهداف المسارات الثانوية التي كان الفارون من العدالة يستغلونها للهروب من المراقبة الأمنية، مما مكّن من توقيف عدد من المشتبه فيهم، بعضهم مطلوب بمذكرات بحث وطنية.

أما في مدينة تطوان، فقد دخلت وحدات خاصة من الشرطة على الخط، ونفذت مداهمات ليلية مركزة في أحياء تُوصف بأنها “بؤر سوداء” للجريمة، وفق تعبير المصادر الأمنية. وتركزت العمليات على عناصر يُشتبه في ارتباطها بشبكات تهريب الأسلحة البيضاء وترويج المخدرات الصلبة، خصوصاً القادمة من شمال المملكة في اتجاه الداخل.

وتوصف المقاربة الأمنية المعتمدة في تطوان بـ”الدقيقة والممنهجة”، حيث يتم الاعتماد على معلومات استخباراتية دقيقة تسمح بتوقيف المطلوبين دون إطلاق إنذارات قد تُفشل العملية.

مدينة أكادير لم تكن استثناءً من هذه الحملة الأمنية، بل اتخذت التعبئة فيها طابعًا أكثر حدة، خصوصًا في الأحياء المصنفة كنقاط ساخنة مثل تيكيوين، بنسركاو، أنزا، الجرف وتراست. وانتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو توثق اعتداءات بالسلاح الأبيض وسط الشارع العام، ما أثار موجة استياء عارمة وسط الساكنة.

الرد الأمني جاء سريعًا من خلال حملات تمشيط مكثفة واعتقالات نوعية استهدفت شبكات إجرامية متخصصة. وتمكنت فرقة أمنية تابعة لمفوضية تيكيوين، في واقعة لافتة، من تحييد مجرم خطير كان في حالة غير طبيعية بسبب تعاطيه للمخدرات الصلبة.

الحملة الجارية لا تبدو موسمية، وفق ما تؤكده مصادر ميدانية، بل تعكس تحولاً بنيويًا في العقيدة الأمنية. فالمقاربة الجديدة ترتكز على المعلومة الاستخباراتية الدقيقة، والتحرك الميداني السريع، وكسب ثقة الساكنة، كما أنها تؤكد أنه “لا خطوط حمراء عندما يتعلق الأمر بالأمن العام”.

وباتت السلطات تراهن على فرض منطق الردع المسبق، مستفيدة من التوثيق الرقمي الذي توفره منصات التواصل الاجتماعي. حيث تحولت هذه المنصات، التي كانت تُتهم سابقًا بإشاعة الخوف، إلى أدوات مراقبة شعبية فاعلة.

في هذا السياق، كشف مصدر أمني أن مصالح الأمن الوطني باتت تعتمد بشكل متزايد على المقاطع المصورة التي يتداولها المواطنون، مضيفًا: “الفيسبوك والتيك توك أصبحا بمثابة بلاغات جماعية فورية، نتحرك على أساسها”. واعتبر أن هذا الشكل الجديد من التعاون يجسد مفهوم “الأمن التشاركي”، حيث يُنظر إلى المواطن كعنصر فاعل في استباق الخطر.

وأكد المصدر أن المديرية العامة للأمن الوطني تشتغل على تكييف آليات عملها مع هذا المعطى الرقمي الجديد، عبر تعزيز فرق الرصد والمتابعة على مدار الساعة، وتطوير قدرات الاستجابة السريعة.

ورغم أن التعبئة الأمنية تبعث برسالة حازمة، فإنها تسلط الضوء أيضًا على واقع اجتماعي واقتصادي هش يغذي الجريمة في الأحياء الهامشية. ما يدفع مراقبين إلى التأكيد على ضرورة إرفاق المقاربة الأمنية بسياسات تنموية، تقلص من التفاوتات وتُعالج جذور الجريمة.

وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن المغرب بصدد بلورة عقيدة أمنية جديدة تتجاوز منطق التدخل المتأخر، وتعتمد على المعلومة والاستباق، مع انفتاح واضح على المواطن كفاعل في تأمين محيطه. غير أن نجاح هذه المقاربة، على المدى البعيد، يظل رهينًا بتكامل الجهود الأمنية مع إصلاحات اجتماعية شاملة تعيد التوازن إلى الأحياء المهمشة، وتعيد الثقة في قدرة الدولة على حماية الجميع، دون استثناء.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *