مؤسسة الوسيط ودورة السياسات العمومية: حين يتحول التظلم إلى معرفة عمومية
لم يعد من الممكن قراءة السياسات العمومية بمنطقها الكلاسيكي الذي يحصرها في قرار حكومي يُصاغ داخل المكاتب ويُنزل على المجتمع في شكل برامج جاهزة. لقد أعاد الدستور المغربي هندسة هذا التصور، حين وسّع دائرة الفاعلين، وأدخل ما يُعرف بـ«هيئات الحكامة» كآليات موازية لا تنتج القرار فقط، بل تُنتج المعنى والمساءلة والمعرفة. وفي قلب هذه الهندسة تقف مؤسسة الوسيط باعتبارها فاعلًا غير تقليدي، لا يسنّ القوانين ولا يقرر السياسات، لكنه يعيد تشكيلها من زاوية تبدو بسيطة في ظاهرها: التظلم.
السؤال الجوهري هنا ليس ما الذي تفعله مؤسسة الوسيط، بل كيف تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة داخل دورة السياسات العمومية؟ فالمشرع الدستوري، وهو يُنصّ على هذه المؤسسة ضمن الباب المتعلق بالحكامة الجيدة، لم يكن يسعى فقط إلى إحداث جهاز لتلقي الشكايات، بل إلى بناء قناة مؤسساتية لتحويل التجربة الفردية للظلم إلى معطى جماعي قابل للتحليل والتأثير. وهنا يكمن التحول: من تظلم معزول إلى معرفة عمومية.
إذا تأملنا دورة السياسات العمومية—من مرحلة تحديد الإشكال، إلى الصياغة، ثم التنفيذ، فالتقييم—نجد أن مؤسسة الوسيط تتدخل بشكل عرضي، لكنها في العمق تمسّ كل المراحل. فهي أولًا تلتقط الاختلالات من خلال شكايات المواطنين، فتُغذي بذلك مرحلة تحديد الإشكال الواقعي، لا كما تتصوره الإدارة، بل كما يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية. ثم، من خلال تقاريرها وتوصياتها، تُسهم في توجيه صناع القرار نحو تعديل أو مراجعة بعض السياسات، وهو ما يجعلها فاعلًا غير مباشر في مرحلة الصياغة.
أما في مرحلة التنفيذ، فإن مؤسسة الوسيط تُمارس دور «الرقابة الناعمة»، حيث لا تُصدر أوامر ملزمة، لكنها تُحرج الإدارة أخلاقيًا ومؤسساتيًا، وتدفعها إلى تصحيح المسار. وهنا يظهر ذكاء المشرع الدستوري: سلطة بلا إكراه، لكنها مُحمّلة بشرعية أخلاقية مستمدة من فكرة العدالة الإدارية. وفي مرحلة التقييم، تتحول تقارير الوسيط إلى مرآة تعكس مدى نجاعة السياسات العمومية، ليس بلغة الأرقام فقط، بل بلغة المعاناة الإنسانية التي لا تظهر في المؤشرات الرسمية.
غير أن هذا التصور لا يخلو من مفارقة عميقة. فمؤسسة الوسيط، رغم موقعها الدستوري، تظل رهينة بمدى تفاعل الإدارة مع توصياتها. وهنا يبرز سؤال الإرادة السياسية: هل نحن أمام جهاز يُستثمر فعليًا في تجويد السياسات العمومية، أم مجرد صمام لتفريغ الاحتقان الاجتماعي؟ إن قوة هذه المؤسسة لا تكمن في نصوصها، بل في مدى إدماجها داخل منطق اتخاذ القرار، وهو ما يظل إلى حد الآن جزئيًا ومحدودًا.
الأكثر أهمية أن المشرع الدستوري لم يعزل مؤسسة الوسيط عن باقي هيئات الحكامة، بل وضعها ضمن شبكة مؤسساتية يفترض أن تشتغل بتكامل: مجلس المنافسة، المجلس الأعلى للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة… إلخ. هذا التكامل ليس ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة لضمان أن تمر السياسات العمومية عبر مصافي متعددة: قانونية، مالية، أخلاقية، واجتماعية. غير أن الواقع يكشف عن ضعف في التنسيق، يجعل كل هيئة تشتغل في جزيرتها الخاصة، بدل أن تُشكل منظومة متكاملة لإنتاج سياسات أكثر عدالة ونجاعة.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في وجود مؤسسة الوسيط، بل في إعادة التفكير في موقعها داخل دورة السياسات العمومية. هل تظل مجرد وسيط بين المواطن والإدارة، أم تتحول إلى فاعل استراتيجي في إنتاج القرار العمومي؟ وهل يمكن أن ننتقل من منطق التفاعل مع الشكايات إلى منطق استباق الاختلالات؟ هذه الأسئلة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في النهاية، يمكن القول إن المشرع الدستوري قد رسم معالم تصور متقدم، يجعل من مؤسسة الوسيط أداة لإدماج صوت المواطن في قلب السياسات العمومية. غير أن هذا التصور يظل معلقًا بين الإمكان والواقع. فإما أن تتحول هذه المؤسسة إلى مختبر للعدالة الإدارية يُغذي القرار العمومي بمعطيات حية، وإما أن تبقى مجرد شاهد على اختلالات نعرفها جميعًا… دون أن نملك دائمًا الشجاعة لتغييرها.

