افتتاحية مجلة 24 : حكومتنا لا تسمن ولا تغني من جوع

افتتاحية مجلة 24 : حكومتنا لا تسمن ولا تغني من جوع
بقلم فؤاد الجعيدي

في كل حكومات البلدان الديمقراطية، تتشكل مؤسساتها وفق برامج وقناعات سياسية، للتصدي لقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتتوق للتأثير على المجتمع إلى ما هو ممكن وأفضل في الحياة ورفاهية الناس.
لكن في بلادنا، بات في حكم اليقين، أن تشكيل الحكومة غاياته ومقاصده، جبر الخواطر بين الفرقاء السياسيين وإرضاء أطرافهم، ولكأننا نوزع إرث متوفى، ولن يكون هذا المرحوم سوى الشعب، الذي تنتهي مهمته بنهاية الاستحقاقات والتصويت، على أناس عملوا على تغذية مخياله بكل الوعود المعسولة والعرقوبية في غد أفضل وعيش كريم.
وهنا يحق لنا أن نتساءل هل من حق أعضاء هذه الحكومات، التي أوصدت أبوابها في وجوه الناس، وصدت عن تحقيق مصالحهم ومطالبهم؟ أن نظل نؤدي كلفة أجورها الباهظة والمكلفة، من الميزانية العامة للمالية العمومية، وهي التي اختارت أن تكون في عطالة دائمة، وعجز تام عن إبداع الحلول، وتمكين الناس من الشعور بجدوى وجودها، بعد أن تلقت التنبيهات والتحذيرات عن الأوضاع المقلقة التي تمس الناس في سبل عيشهم. واختارت منذ الجائحة أن تحجز لها مقعدا للفرجة بالمسرح الاجتماعي، على تراجع الأداء الاقتصادي، والتسريحات العمالية التي بلغت أوجها المخيف حين أدركت 750 ألف عاملة وعامل فقدوا مناصب عملهم ومصادر تأمين عيشهم.
وما يؤكد مسار الفرجة على هموم وقضايا الناس، أن هذه الحكومة المتكاسلة، لم يوقظ حسها للاتجاه إلى العمل، الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الاحتفاء بذكرى 20 غشت، والذي أقر فيها جلالة الملك بضرورة تبني برنامج للحماية الاجتماعية.
لقد مرت أربعة أشهر، لم تتضح فيها نية الحكومة، لتبني هذا المشروع الثوري، ولم تعمل في أفق خلق تعبئة اجتماعية حوله، ولم تقدم على خطوات ملموسة في عقد اللقاءات، مع النقابات العمالية، لتعميق المشاورات، مع مختلف الفاعلين والمرتبطين بهذا الورش الاجتماعي الهائل، وقد أظهرت الجائحة مدى هشاشة نسيجنا الاجتماعي. في حين أنه في دول مثل، فرنسا واسبانيا وألمانيا.. سارعت الحكومات لتنزيل برامج فورية، للحد من الآثار السلبية على الاقتصاد واتخاذ مبادرات، للتخفيف من الجائحة على القطاعات الانتاجية، وعلى القوى العاملة، وهي إجراءات منطقية تحرك الحكومات في أسباب وجودها في إدارة الشأن العمومي والانفلات به من عنق الزجاجة. لكن في بلادنا، الأحزاب لا تسعى سوى للحفاظ على وجودها، وتحقيق مزيدا من الكسب لتنظيماتها، بعيدا عن تولي الأداء الذي وجدت من أجله.
لقد باتت اليوم قناعات تحكم مشهدنا السياسي، أن الأحزاب لا تتحرك، ولا تعود الحياة إلى أجسام تنظيماتها المنخورة، إلا في تعقب الانتخابات القادمة، ويسعى المنخرطون فيها لتغيير جلودهم كالأفاعي، بحثا في جولات قادمة لكسب ثقة الناس للفرجة الاجتماعية القادمة، تحت رموز سياسية جديدة. يعقدون اللقاءات والمشاورات السرية والعلنية للفوز بتزكية جديدة.
إن هذه الممارسة التي تشد عن أصول الفكر السياسي ونظرياته، كما يدرسها الطلبة في الجامعات المغربية، وقد تشكل في اعتقادنا مواد خصبة للدرس والتحليل، عن الطرق والكفيات، التي تفهم بها نخبنا الممارسة السياسية، وسعيها لجعل تنظيماتها هي المحور والغاية، علما أن التنظيمات السياسية لم تكن في تاريخ المجتمعات، سوى الوعاء الطبيعي الذي يحتضن تطلعات ومصالح القوى الطبقية، التواقة لمشاريع التغيير، أو تلك التي تجاهد في الحفاظ على البنيات والهياكل السائدة التي تخدم مصالحها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *