سقوط إيران… ومن يملأ الفراغ؟

سقوط إيران… ومن يملأ الفراغ؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

ليس من الحكمة أن يُختزل المشهد الإقليمي المعقد في أمنيات عاطفية أو مواقف ثأرية آنية. فالدول لا تُدار بالرغبات، بل بحسابات القوة والمصلحة. ومن هذا المنظور، فإن سقوط إيران – إن حدث – ليس بالضرورة نصراً استراتيجياً للعرب كما يتوهم بعضهم، بل قد يكون مدخلاً لمرحلة أشد اضطراباً واختلالاً في ميزان القوى الإقليمي.
في عالم السياسة، الفراغ لا يبقى فراغاً. وحين تضعف قوة إقليمية فاعلة، فإن قوى أخرى تسارع إلى ملء المساحة التي تتركها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا تراجعت إيران، فهل ستنكمش إسرائيل طوعاً؟ أم ستجد في اختلال التوازن فرصة ذهبية لتكريس هيمنتها على الإقليم؟
التاريخ السياسي يعلمنا أن اختلال التوازن يغري بالتغول. وحين يغيب الردع، تتسع شهية القوة الصاعدة. خلال العقود الماضية، شكّلت إيران – بكل تناقضات سياساتها وخلافاتنا العميقة معها – عنصراً من عناصر موازنة النفوذ الإسرائيلي. لم يكن ذلك بدافع تعاطف مع العرب أو دفاعاً خالصاً عن فلسطين، بل انطلاقاً من حسابات قومية فارسية صرفة، تسعى إلى تثبيت موقعها في معادلة القوة الإقليمية.
وهنا ينبغي أن نتحرر من وهمين متناقضين: وهم اعتبار إيران حليفاً استراتيجياً صادقاً للعرب، ووهم الاعتقاد بأن سقوطها سيجلب تلقائياً شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً. فإيران، كغيرها من الدول، تتحرك بمنطق المصالح، وكذلك إسرائيل. الفرق أن العرب غالباً ما يجدون أنفسهم ساحة صراع لا طرفاً مقرراً فيه.
الذين يهللون اليوم لأي عدوان أميركي/إسرائيلي على إيران، ويرددون شائعات إسقاط النظام واستهداف القيادات، قد يكتشفون غداً أنهم صفقوا لفتح أبواب مرحلة أشد قسوة. فمشروع الهيمنة لا يتوقف عند حدود دولة بعينها. ومن يظن أن شهية القوة المهيمنة ستشبع بإسقاط خصم واحد، يتجاهل دروس التاريخ القريب.
لقد رأينا كيف تحولت شعارات إسقاط الأنظمة في المنطقة إلى بوابات فوضى ممتدة، وكيف دفعت شعوب بأكملها أثماناً باهظة لصراعات لم تكن صاحبة قرارها. والسؤال المشروع اليوم ليس فقط: ماذا بعد إيران؟ بل: من التالي في ترتيب الأولويات إذا اكتمل سيناريو الإضعاف الشامل لأي قوة إقليمية مناوئة للهيمنة؟
أما القواعد الأميركية المنتشرة في عدد من الدول العربية، فقد ثبت أنها لم تؤسس لمنظومة أمن جماعي حقيقية، بل كرّست واقع الارتهان الاستراتيجي. فهي لم تمنع الاعتداءات الإسرائيلية، ولم تُنهِ التوتر مع إيران، بل جعلت أراضي عربية منصات لصراعات تتجاوز إرادة شعوبها. وهكذا بات القرار السيادي في كثير من الملفات الحساسة محكوماً بحسابات خارجية أكثر مما هو منبثق من إرادة وطنية مستقلة.
إن أخطر ما يواجه المنطقة ليس مجرد احتمال الحرب، بل التطبيع مع فكرة أن موازين القوى المفروضة بالقوة قدر لا يُرد. حين تتعود الشعوب على العيش تحت سقف الهيمنة، يصبح فقدان الإرادة أخطر من فقدان الأرض. ويغدو القبول بالأمر الواقع سياسة رسمية، لا خياراً اضطرارياً مؤقتاً.
غير أن النقد الموضوعي يقتضي أيضاً الاعتراف بأن سياسات إيران الإقليمية أسهمت في تعميق الانقسامات الطائفية والسياسية في عدد من الساحات العربية، وأدخلت المنطقة في دوامات صراع مكلفة. وبالتالي فإن الدفاع عن مبدأ التوازن لا يعني تبرئة أي طرف من أخطائه أو تجاهل الأثمان التي دفعتها مجتمعات عربية نتيجة صراعات النفوذ المتبادلة.
المشكلة الجوهرية ليست في صعود هذه الدولة أو سقوط تلك، بل في غياب مشروع عربي مستقل يعيد تعريف المصالح ويؤسس لقوة ذاتية قادرة على الفعل لا مجرد رد الفعل. أمة لغة الضاد تبدو اليوم متفرجة على مأدبة الكبار، فيما تُرسم خرائط النفوذ فوق جغرافيتها من دون أن تمتلك أدوات التأثير الكافية لتعديل المسار.
إن العالم لا يحتاج إلى قطب واحد يفرض منطقه، بل إلى توازنات متعددة تكبح النزعات التوسعية وتحمي مصالح الشعوب. لكن الحديث عن توازن إيراني–إسرائيلي يظل ناقصاً ما لم يُطرح السؤال الأهم: أين التوازن العربي في هذه المعادلة؟
لا يمكن بناء مستقبل آمن على رهان سقوط الآخرين. الأمن الحقيقي يبدأ من بناء القدرة الذاتية: اقتصاد قوي، منظومة علمية متقدمة، تكامل إقليمي حقيقي، وإرادة سياسية مستقلة. عندها فقط يصبح أي اختلال في موازين القوى قابلاً للاحتواء، لا كارثة وجودية.
إذا سقطت إيران، فلن يكون ذلك نهاية الصراع في المنطقة، بل ربما بداية إعادة توزيع أكثر حدة للنفوذ. وإذا بقيت قوية من دون إصلاحات داخلية وتفاهمات إقليمية، فستستمر حالة الاستنزاف المتبادل. في الحالتين، الخاسر الأكبر سيظل الطرف الذي لا يمتلك مشروعاً واضحاً ولا أدوات قوة كافية.
التاريخ لا يرحم الساذجين، ولا يكافئ المتفرجين. ومن يهلل اليوم لأي عدوان ظناً أنه يقتص من خصم أيديولوجي، قد يكون أول من يكتشف أن منطق الهيمنة لا يعترف بحلفاء دائمين، بل بمصالح متغيرة.
لذلك، قبل أن ننشغل بسؤال: هل تسقط إيران أم لا؟ ربما يجدر بنا أن نعيد صياغة السؤال الأهم: كيف نستعيد التوازن العربي الغائب؟ لأن المنطقة لن يحميها سقوط هذه الدولة أو تلك، بل ولادة إرادة عربية قادرة على تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى فضاء شراكة، ومن موضوع للتاريخ إلى فاعل فيه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *