المدرسة الرائدة بين الشعار والواقع: من يوقف العبث ومن يحاسب المسؤولين؟

المدرسة الرائدة بين الشعار والواقع: من يوقف العبث ومن يحاسب المسؤولين؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع، باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في زمنٍ تتسابق فيه الدول إلى تجويد منظوماتها التعليمية باعتبارها المدخل الحقيقي للتنمية والعدالة الاجتماعية، طُرِح مشروع “المدرسة الرائدة” باعتباره رافعة إصلاحية واعدة، تحمل في طياتها وعوداً بالتحديث، والنجاعة، وتحسين جودة التعلمات. غير أن الواقع الميداني، كما يعيشه التلاميذ والأسر والأطر التربوية، يكشف عن مفارقة صادمة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.
لقد تحوّل المشروع، في نظر كثيرين، من أفق إصلاحي إلى عنوانٍ للارتباك وسوء التدبير، بل إلى نموذج صارخ على غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة.

● صفقات عمومية… وفراقشية بلا مساءلة

حين نتحدث عن “المدرسة الرائدة”، لا يمكن أن نتجاوز سؤال الصفقات العمومية المرتبطة بها. من استفاد؟ وكيف تم التدبير؟ وهل احترمت معايير الشفافية وتكافؤ الفرص؟

تطفو على السطح ظاهرة “فراقشية الصفقات العمومية”، حيث تحوّل بعض الوسطاء إلى مستفيدين دائمين من مشاريع يفترض أنها موجهة لخدمة المدرسة العمومية. تجهيزات بمبالغ ضخمة، صفقات متكررة، وموردون بعينهم يحضرون دائماً… بينما النتائج على الأرض لا تعكس حجم الإنفاق.

إننا أمام إشكال سياسي وأخلاقي بامتياز:
من يراقب؟ من يفتح التحقيق؟ ومن يحاسب إن ثبت التقصير أو التلاعب؟
إن الصمت الإداري أمام شبهات بهذا الحجم لا يُفسَّر إلا كقبولٍ ضمني بالوضع، أو كعجز عن المواجهة.

●دورة أولى بلا امتحانات… ارتباك في التقويم

بل إن الأمر يتجاوز أي حديث عن ظرفية محددة، فنحن أمام واقع يتمثل في مرور الدورة الأولى كاملة من الموسم الدراسي في المستوى الابتدائي دون إجراء الامتحانات كما جرت العادة في السنوات السابقة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالدورة الأولى ليست محطة شكلية، بل لحظة أساسية للتقويم والتشخيص وبناء صورة دقيقة عن مستوى التحصيل. غياب الامتحانات خلالها يعني غياب معيار واضح للقياس، وحرمان الأسر من مؤشرات موضوعية حول أداء أبنائها، كما يربك عمل الأطر التربوية في رصد التعثرات ومعالجتها في الوقت المناسب.
إذا كان هناك تصور بيداغوجي جديد يعتمد آليات بديلة للتقويم، فمن حق الرأي العام أن يفهم فلسفته وأهدافه وحدوده. أما إذا كان الأمر نتيجة ارتباك في التدبير أو خلل في التنزيل، فذلك يكشف ضعفاً في التخطيط وغياباً للجاهزية.
وفي موازاة ذلك، ما يزال آلاف التلاميذ دون مقررات دراسية مكتملة. فكيف يمكن الحديث عن مدرسة رائدة في غياب الكتاب المدرسي، وهو الأداة الأساسية للتعلم؟
كيف نطالب الطفل بالتحصيل والاجتهاد دون أن نوفر له الوسائل الضرورية لذلك؟
إن أي مشروع إصلاحي يفقد مشروعيته حين يعجز عن ضمان أبسط الشروط التنظيمية واللوجستيكية الكفيلة بإنجاحه.

●آلاف التلاميذ دون مقررات

وفي موازاة ذلك، ما يزال آلاف التلاميذ إلى حدود الساعة دون مقررات دراسية مكتملة. كيف نتحدث عن مدرسة رائدة في غياب الكتاب المدرسي؟
كيف نطالب الطفل بالتحصيل والاجتهاد دون أدوات تعلمه الأساسية؟
إن أي مشروع إصلاحي يفقد مشروعيته حين يعجز عن ضمان أبسط الشروط اللوجستيكية لنجاحه.

●سكوت إعلامي… وصمت رسمي

ما يثير القلق أكثر هو ذلك السكوت الإعلامي المريب حول ما يجري. ملفات بهذا الحجم لا تجد النقاش العمومي الذي تستحقه، وكأن الأمر شأن ثانوي لا يمس مستقبل أمة.
الصمت في قضايا التعليم ليس حياداً، بل مساهمة في تعميق الأزمة.

●مشاكل لم تُذكر بعد

ما يُتداول اليوم ليس إلا جزءاً من صورة أشمل. هناك ارتباك في التكوين، ضغط على الأطر التربوية، غموض في آليات التتبع والتقييم، وتضارب في القرارات بين المركز والجهات.
المدرسة الرائدة، بدل أن تكون فضاءً للتجديد المدروس، تحوّلت في بعض الحالات إلى حقل تجارب، يدفع ثمنه التلميذ والمدرس والأسرة.
من يوقف هذا العبث؟
السؤال الجوهري ليس فقط: ماذا وقع؟
بل: من يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية والأخلاقية؟
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعاراً للاستهلاك، بل مبدأ مؤسس لأي دولة تحترم مواطنيها. كل مشروع إصلاحي تشوبه اختلالات جسيمة يستدعي تقييماً مستقلاً وشفافاً يحدد المسؤوليات بدقة.
نحتاج اليوم إلى:
افتحاص مالي وإداري مستقل للصفقات المرتبطة بالمشروع.
تقييم بيداغوجي علمي لمدى تحقق الأهداف المعلنة.
مساءلة واضحة للمسؤولين عن أي تقصير أو سوء تدبير.
إشراك حقيقي للفاعلين التربويين في أي مراجعة مستقبلية.
الدفاع عن المدرسة… دفاع عن الوطن
إن المدرسة العمومية ليست مجالاً للمزايدات، بل هي ركيزة الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي. حين تهتز الثقة في المدرسة، تهتز معها الثقة في المؤسسات.
جيل اليوم ليس رقماً في تقارير، بل هو مستقبل وطن بأكمله. وأي عبث بمساره التعليمي هو عبث بمستقبل البلاد.
فهل نملك الشجاعة لفتح هذا الملف بجرأة ومسؤولية؟
وهل ننتقل من منطق الصمت والتبرير إلى منطق التقييم والمحاسبة؟
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالخلل، لا بتغليفه بالشعارات. والمدرسة الرائدة، إن أرادت أن تستحق اسمها، فعليها أولاً أن تتصالح مع مبادئ الشفافية والوضوح وربط المسؤولية بالواجب.
وإلا، فسنظل ندور في حلقة مفرغة، عنوانها العريض:
مشاريع كبيرة… ونتائج مرتبكة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *