اهتزاز تحالفات الأمس… هل دخلت الجزائر مرحلة الإنهاك الدبلوماسي؟

اهتزاز تحالفات الأمس… هل دخلت الجزائر مرحلة الإنهاك الدبلوماسي؟
بقلم : بوشعيب نجار

في السياسة الدولية لا مكان للفراغ، ولا وجود لتحالفات أبدية. ما تعيشه بعض الأنظمة  التي رفعت لسنوات خطاب “الممانعة” أو تبنّت أطروحات مناوئة للوحدة الترابية للمغرب، يعكس اليوم تحولات عميقة في موازين القوى، ويطرح أسئلة جديدة حول مستقبل الاصطفافات الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية.

لقد شكلت بعض العواصم ذات التوجهات الاشتراكية أو المناهضة للغرب، عبر عقود، سندًا دبلوماسيًا لجبهة البوليساريو، سواء من باب الاصطفاف الإيديولوجي أو في سياق صراع المحاور خلال الحرب الباردة وما بعدها. من بينها نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، الذي واصل خط سلفه هوغو تشافيز في دعم أطروحة الانفصال، مستندًا إلى خطاب أممي ثوري تقليدي.

غير أن التحولات الداخلية التي تعرفها هذه الدول، والأزمات الاقتصادية الخانقة، وتراجع تأثيرها الجيوسياسي، جعلت حضورها في الملف يتقلص تدريجيا، مقابل تصاعد دينامية دبلوماسية مغربية نشطة، تُوّجت باعتراف قوى كبرى بمغربية الصحراء وبدعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي.

في هذا السياق، لم يعد المشهد الدولي كما كان قبل عقدين. عودة الواقعية السياسية، وتقدم منطق المصالح على الإيديولوجيا، جعلا عدداً من الدول يعيد حساباته. حتى داخل القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية، برزت مراجعات هادئة للمواقف التقليدية، سواء عبر تجميد الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” أو عبر تبني مواقف أكثر توازنًا.

أما الجزائر، التي تُعد الداعم الإقليمي الأبرز للبوليساريو، فتجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة. فبين خطاب رسمي يؤكد الثبات على “المبادئ”، وضغوط إقليمية ودولية متزايدة لإعادة تموضع سياسي ينسجم مع التحولات الجديدة، تبدو الهوة آخذة في الاتساع بين الشعارات والواقع.

الرئيس عبد المجيد تبون دأب في خطاباته على التأكيد بأن الجزائر “لا تُركع”، في تعبير يعكس نزعة سيادية واضحة. غير أن العلاقات الدولية لا تُقاس بلغة الخطابة، بل بميزان المصالح، والقدرة على المناورة، وحسن قراءة السياق الدولي. فالتحديات الاقتصادية الداخلية، وتراجع أسعار الطاقة مقارنة بذروتها السابقة، والاحتياج إلى شراكات متوازنة مع أوروبا والولايات المتحدة، كلها عوامل تجعل من الصعب الاستمرار في سياسة الاصطفاف الصلب دون مراجعة.

في المقابل، استثمر المغرب في تنويع تحالفاته، معززًا شراكاته الإفريقية، وموسعًا حضوره الاقتصادي جنوب-جنوب، ومطورًا علاقاته مع قوى غربية وشرقية على حد سواء. هذا التموقع البراغماتي جعل من مقترح الحكم الذاتي، الذي تقدمه الرباط كحل نهائي للنزاع، أرضية تحظى بدعم متزايد داخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها.

السؤال المطروح اليوم ليس من “سقط” ومن “صمد”، بل: كيف ستتكيف الدول المعنية مع عالم يتغير بسرعة؟ هل ستختار الجزائر إعادة صياغة دورها الإقليمي بمنطق المصالح المتبادلة، أم ستستمر في تمترسها خلف خطاب تاريخي لم يعد يجد الصدى ذاته دوليًا؟

في النهاية، السياسة ليست مباراة شعارات، بل فن إدارة التوازنات. والتحولات الجارية تشير إلى أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية، وتراجع الاستقطاب الإيديولوجي، وصعود مقاربة الحلول العملية على حساب خطابات المواجهة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *