الاحزاب السياسية المغربية وآفاق حكومة (2026-2030):

الاحزاب السياسية المغربية وآفاق حكومة (2026-2030):
الدكتور المصطفى قاسمي  استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية  رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.
مقدمة
يشكل المشهد الحزبي المغربي ركيزة أساسية في البناء الديمقراطي للمملكة، حيث يمنح الدستور للأحزاب السياسية دورًا محوريًا في تأطير المواطنين والمشاركة في تدبير الشأن العام. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تتزايد التساؤلات حول الأحزاب المؤهلة لقيادة الحكومة، ودورة النخب السياسية، وتحديات التأطير والوساطة، بالإضافة إلى مواصفات النخبة السياسية التي يتطلع إليها جلالة الملك محمد السادس في أفق 2030.
1. الأحزاب المؤهلة لقيادة الحكومة المقبلة.
شهدت الانتخابات التشريعية لسنة 2021 تحولات مهمة في الخريطة الحزبية المغربية، حيث تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار المشهد، وشكل الحكومة الحالية. ومع اقتراب انتخابات 2026، تبرز عدة أحزاب كفاعلين رئيسيين في سباق قيادة الحكومة المقبلة. يمكن تصنيف هذه الأحزاب بناءً على وزنها السياسي، تمثيلها البرلماني، وقدرتها على التعبئة والتأطير:
-التجمع الوطني للأحرار (RNI)
-الأصالة والمعاصرة (PAM)
-الاستقلال (PI)
-الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP)
-العدالة والتنمية (PJD)
2. دورة النخب وأزمة التجديد في الأحزاب المغربية
تعاني الأحزاب السياسية المغربية من أزمة عميقة في تجديد نخبها، حيث يلاحظ استمرار نفس الوجوه في مواقع القرار لعقود طويلة. هذه الظاهرة، التي يطلق عليها “احتكار النخب”، تؤدي إلى ضعف التداول الداخلي وغياب الديمقراطية الحزبية. فالولاءات الشخصية والمالية غالبًا ما تتقدم على الكفاءة في اختيار المرشحين وتوزيع التزكيات الانتخابية.
“يُلاحظ أن أغلب الأحزاب المغربية تعاني من انغلاق داخلي في بنيتها التنظيمية، حيث تظل القيادة محصورة في دائرة ضيقة من الأشخاص الذين يعيدون إنتاج أنفسهم في كل مؤتمر حزبي، مع غياب تجديد حقيقي للنخب. وهذا ما يجعل المشهد السياسي متجمداً، إذ يظل المواطن يشاهد الوجوه نفسها تتنقل بين المناصب دون إبداع أو كفاءة جديدة.”.
كما أن ظاهرة هيمنة المال السياسي، أصبحت عاملًا حاسمًا في تحديد من يحصل على التزكية الحزبية، مما يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي ويساهم في تدهور صورة الأحزاب لدى الرأي العام.
3. ضعف التأطير والوساطة السياسية
تراجع الدور التأطيري للأحزاب السياسية في المغرب، حيث تنشط خلال الفترات الانتخابية وتغيب عن المشهد بين الاستحقاقات. هذا الضعف أدى إلى فجوة كبيرة بين الأحزاب والمواطنين، خاصة فئة الشباب، مما نتج عنه عزوف سياسي وتراجع في نسبة المشاركة.
تتجلى أزمة الوساطة السياسية في ميل المواطنين لتجاوز المؤسسات التمثيلية (الأحزاب والبرلمان) واللجوء المباشر إلى المؤسسة الملكية لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. هذه الظاهرة، التي يصفها البعض بـ”نزع الوساطة السياسية” تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، حيث تضع المؤسسة الملكية في مواجهة مباشرة مع المطالب الشعبية، مما قد يضعف دورها التحكيمي والرمزي.
“إن حالة ‘نزع الوساطة السياسية’ المتمثلة في تخطي المواطنين للمؤسسات التمثيلية واللجوء المباشر للمؤسسة الملكية، ليست مجرد تعبير عن أزمة ثقة، بل هي تعبر عن التراجع عن مكتسبات سياسية وديمقراطية كان يُعتقد أنها أصبحت راسخة.”.
وقد أظهرت حراكات اجتماعية حديثة، مثل تلك التي قادها “جيل Z”، بروز وسائط بديلة للتعبير عن المطالب الاجتماعية خارج الأطر الحزبية التقليدية، مما يؤكد عجز الأحزاب عن استيعاب لغة وتطلعات الأجيال الجديدة.
4. النخبة السياسية التي يريدها جلالة الملك للتدبير السياسي في أفق 2030
في إطار النموذج التنموي الجديد والرؤية الملكية لأفق 2030، يدعو جلالة الملك محمد السادس إلى نخبة سياسية تتميز بالكفاءة، الأخلاق، والقدرة على تحقيق النتائج. هذه النخبة يجب أن تكون قادرة على مواكبة التحديات الكبرى التي تواجه المملكة، وتنزيل المشاريع المهيكلة بفعالية.
تتمثل أبرز مواصفات هذه النخبة فيما يلي:
•نخبة “ثقافة النتائج”: الانتقال من الخطاب السياسي الإنشائي إلى التدبير القائم على الأهداف والمردودية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
•الارتباط بالرهانات الكبرى: القدرة على تدبير ملفات استراتيجية مثل تنظيم كأس العالم 2030، تعميم الحماية الاجتماعية، وتحقيق السيادة الطاقية والغذائية.
•الأخلقة الملزمة: إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها، تكون ذات طابع قانوني ملزم، وتحويل الأخلاقيات من مجرد شعارات إلى ممارسات فعلية.
•الكفاءة التقنو-سياسية: الجمع بين الشرعية الانتخابية والقدرة التقنية على تنزيل المشاريع التنموية، مع التركيز على جودة النخب وتعزيز حضور النساء والشباب في المؤسسات التمثيلية.
•تغليب المصلحة العليا: الابتعاد عن الحسابات الحزبية الضيقة وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين.
خاتمة
يواجه المشهد الحزبي المغربي تحديات هيكلية تتعلق بتجديد النخب، ضعف التأطير والوساطة، وهيمنة المال السياسي. ومع ذلك، فإن الرؤية الملكية لأفق 2030 تقدم خارطة طريق واضحة نحو نخبة سياسية جديدة تتميز بالكفاءة، الأخلاق، والقدرة على تحقيق النتائج، بما يضمن مواكبة التحديات الوطنية والدولية. إن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب إصلاحًا جذريًا داخل الأحزاب، يعيد لها مصداقيتها ودورها المحوري في بناء مغرب مزدهر وديمقراطي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *