لعنة الفراغ: هل من رابح حقيقي في “زلزال” إيران الجيوسياسي؟
ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو زلزال بنيوي يضرب أعماق المنطقة، ويكشف عن عرينا الاستراتيجي. نحن لا نشهد حربا بين دول، بقدر ما نشهد انهيارا صامتا لنظام إقليمي لم يعد يملك من أمره شيئا. في العواصم العربية، تجلس النخب تراقب النيران من خلف نوافذ مرتجفة، وقد اكتشفت متأخرة أن الأمن ليس سلعة تستورد من واشنطن أو تل أبيب، وأنه لا يبنى على وعود عابرة في قاعات الفنادق الفارهة. لقد تركو المجال مفتوحا للريح، وراهنو مصائرهم لتوازنات الآخرين، واليوم يدفعون ضريبة الارتخاء بدمائهم ومستقبلهم.
إيران، هذا اللاعب المشاغب، تواجه اليوم أكبر اختبار لوجودها. هي ليست في معركة مع الصواريخ فقط، بل في صراع مرير مع الداخل الذي ضاق ذرعا بـسياسة الاستنزاف. طهران تحاول إدارة التوازن فوق حبل مشدود: كيف تقاوم الضغط الخارجي دون أن تنفجر من الداخل؟ إنها لحظة تتداخل فيها الحرب الصلبة مع سوسيولوجيا الاحتجاج.
وعلى الضفة الأخرى، يعود دونالد ترامب. عودة التاجر الذي لا يؤمن بالدبلوماسية بقدر ما يؤمن بـالصفقة. في قاموسه، القانون الدولي هو مجرد حبر على ورق، والشرعية هي ما يمليه ميزان القوة. هو يعود ليقول للعالم إن زمن المجاملات قد انتهى، وإن العالم كله شركة كبرى والكل مطالب بدفع الفاتورة. ترامب لا يقرأ الخرائط الجغرافية، هو يقرأ فقط أرقام الربح والخسارة، وهذا بحد ذاته نذير شؤم لمنطقة لا تملك سوى الولاءات كعملة صعبة.
أما إسرائيل، فقد تخلت عن قناع الدفاع لترتدي ثوب المبادرة التدميرية. هي لا تبحث عن الردع التقليدي، بل عن إعادة صياغة الجغرافيا بالدم والنار، لتضمن تفوقا أبديا لا مكان فيه للآخر. إنها عقيدة قائمة على محو التهديد قبل ولادته، وهو منطق يحول المنطقة إلى ساحة حرب أبدية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الانفجار.
وسط هذا الصخب، تحاول القوى الوسطى تركيا، السعودية، مصر أن تمارس دبلوماسية التوازن المستحيل. إنها تجري في حقل ألغام، تحاول ترميم ما تهدم، وتوسل الهدوء في منطقة أدمن قادتها على الصخب. لكن العلة تكمن في أن هذه القوى تفتقد لـمشروع سياسي موحد؛ هي تملك المال والوزن، لكنها تفتقد للبوصلة التي توحد جهودها. نحن أمام عجز جمعي عن القيادة؛ الجميع يريد الهدوء، ولكن لا أحد يملك الشجاعة لطرح تسوية تاريخية تنهي هذا العبث.
النتيجة اليوم، أننا لا نسير نحو شرق أوسط جديد مزدهر، بل نحو شرق أوسط منكمش، حيث الدولة المركزية تحاول حماية حدودها من التآكل، تاركة الأطراف والساحات لتكون وقوداً لنزاعات لا تنتهي. لقد تحولنا من فاعلين في التاريخ إلى متفرجين على نهايته.
السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بمرارة: أي شرق أوسط سيخرج من بين الركام؟ الحروب في منطقته لا تنتهي بانطفاء آخر صاروخ، بل تبدأ حين يعاد توزيع الخوف على الخرائط الجديدة. نحن اليوم نعيد رسم الخوف، وننتظر دورنا في طابور الانهيار، بينما يواصل الكبار لعبتهم، ونواصل نحن دفع الثمن، كل الثمن

