افتتاحية مجلة 24 : صناعة الأوهام وترسيخها في الأذهان

افتتاحية مجلة 24 : صناعة الأوهام وترسيخها في الأذهان
بقلم فؤاد الجعيدي

قساوة الوهم لا تعادلها في الكون الإنساني إلا الغباوة، عشت وقائع مع الناس، وخرجت من الحياة إلى النضال الاجتماعي، بخلاصة واحدة، أن الانتصار في قضايا محددة أمر ممكن، شريطة التحلي في التعامل مع الواقع الملموس ،بالتفكير الملموس، وأن لا تخطئ في التكتيك اليومي، لإدراك الهدف الاستراتيجي.
يعني هذا الكلام، أن لا تكون لك رأس كجلمود صخر، وأن تسأل أهل الخبرة، حين تغيب عنك الأشكال في التعاطي مع الواقع المعقد. لأن هذا الواقع المتحدث عنه، في كثير من الأحيان، يغلف رؤوسنا كما تغلف واجهة أوراق كتاب، بغطاء بلاستيكي يقي غلافه المصنوع من الورق المقوى، كي لا يصل التغيير له، والذي سيكون سببا مباشرا في التحول.
كم من حق ضاع، لأن صاحبه يدعي أن الحقوق غير مصونة في بلادنا ومعرضة على الدوام للانتهاك، وهو أمر ليس بالحقيقة، بل الوهم الذي يقود إلى كذا فهم.
عشت حكاية مع صديق، أصابه الظلم الاجتماعي، لكن هذا الظلم كانت تحركه أياد خفية ،وبات جزءا من القناعة التي روجت حوله وضده، سجن في تكييف الآخرين، وظل يناقشهم في براءته حتى نزلوا به إلى قاع الجب.
هنا استسلم على الأقل للإنصات لي، كخبير في الأمور النقابية. وكان كل تفكيري منشغلا باستحضار الرسائل الإدارية، والبحث في تواريخها ومنطوقها، لأصل إلى التناقضات التي لا يستقيم معها المنطق السليم وتؤكد على حقيقة واحدة، أن هناك مؤامرة، وأن خيوطها لم تكن سوى بيت عنكبوت في نسيجها.
نفس التحليل قادني لأن أتأمل في موقف نشاز، عن الاجماع الوطني لهيئة سياسية كانت تبحث في مستنقع المواقف على أن تخالف هذا الإجماع، ليس لانعدام الحس الوطني لأصحابها، أبدا بل فقط لأنهم كونوا قناعات عما يسمى بالمخزن، وباتوا يصرفونها جهرا في لقاءاتهم العائلية، باعتقاد أنهم يمارسون السياسية، وهم في الواقع لا يمارسون سوى لحظات من المس بالجنون، كما يحدث للمرضى وأصحاب الأزمات النفسية ويستعملون فيما بينهم، قاموسا لغويا ينتمي إلى سنوات الجمر والرصاص التي أخطأت فيها الدولة حين صنعت منهم معتقلي الرأي.
في خطابتهم التي لا تستوعبها سوى ليالي السمر، يصنعون أعداء ولا يعرفون معنى التحالفات السياسية، ولا الاقتراب من القوى السياسية الأخرى للمجتمع، وفيما بينهم يتحدثون بقوة عن نقط النظام وعن ضرورة سحب الكلام وناذرا ما يتفق الغوغائيون.
لكنهم اليوم يعيشون حالة اعتقال فكري وسياسي في سجون ذواتهم، المغلفة بالبلاستيك المقوى للأوهام الاجتماعية التي لا ترى أن الأرض تدور والأفكار تتحول، والعالم القديم قد انهار إلى غير رجعة، وأن المحافظون السياسيون في الولايات المتحدة الأمريكية باتوا من أقوى المدافعين على ماركس جديد، يدعو فيهم إلى ضرورة مواجهة فائض الانتاج في الأسواق بالتخفيف من الضغوطات على جيوب القوى الكادحة والطبقات المتوسطة، للخروج من الأزمات الاقتصادية التي ضربت بقوة أسواق الرأسمال، وباتت تنذر بثورات اجتماعية لتسترد الحقوة المسلوبة بقوة الجشع الرأسمالي الجديد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *