افتتاحية مجلة 24: وتتعرى الجذور الإجرامية لعصابة الانفصالين
منذ 26 دجنبر من سنة 1991، شهد العالم تفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وفي الفاتح من شهر يناير من عام 1995 اكتمل مسار، المنظمة العالمية للتجارة، وبرزت الحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى التعاون الإقليمي بين مجموعة الدول المغاربية للصمود في وجه اختلال موازن القوى الدولية من أجل شعوب منطقة المغرب العربي .
هذا الشعور قد أدركته في وقت مبكر، معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي سنة 1989، كخيار استراتيجي للتكتل الإقليمي، في عالم كانت كل مؤشراته توحي بتحولات عميقة بين دول العالم.
وظل التوجه السياسي العام ببلادنا، في سياسته الخارجية وفي تعاطيه مع قضية الوحدة الترابية، يراهن مع المنتظم الدولي والأمم المتحدة على البحث، في الحلول المفيدة لشعوب المنطقة واستئصال التوترات المفتعلة..
وفي سنة 2007 جاء الاقتراح المغربي، بمبادرة الحكم الذاتي كحل للطي النهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، والذي تمنح بموجبه منطقة الصحراء حكما ذاتيا موسعا، مع الاحتفاظ برموز السيادة الوطنية من طنجة إلى الكويرة.
وظل المغرب على امتداد 13 سنة، يراهن على الحل السياسي، الذي يقوم على الواقعية والتوافق. باعتباره خيارا طبيعيا ووحيدا لتسوية عادلة ونهائية، لهذا المشكل المفتعل، لكن الجارة الجزائر، ظلت تصر ومنذ ما يزيد عن أربعة عقود، على رهانات خاسرة لتصريف تناقضاتها الداخلية، وأطماعها العدوانية على حساب استقرار المنطقة، ورخاء شعوبها. ولم يستوعب حكامها العسكريون دروس التاريخ، في أهمية السلم والاستقرار للمنطقة، وظلت بالرغم من أزماتها الخانقة تغذي كيانا إجراميا، فوق ترابها ومده بالمال والسلاح لتنشيط بؤرة التوتر.
لكن المغرب، اختار التوجه إلى العمق الافريقي، كخيار استراتيجي جديد، للتعاون مع البلدان الافريقية، والانخراط في دينامية المشاريع التنموية ذات المنافع المتبادلة، مع شعوب القارة السمراء، وعزز وفي ظروف عصيبة هذه الروابط التي كانت من ثمارها، ايمان العديد من الدول الافريقية والعربية بمصداقية الخيارات الاستراتيجية للمغرب، ورهاناته الاقتصادية والاجتماعية مع كل البلدان.
إن هذه الأوضاع الجديدة، التي ساهم بقوة، عاهل البلاد محمد السادس في رسم ملامحها، وترسيخ خيارتها، دفع اليوم قطاع الطرق، وشرذمة من المجرمين في الجنوب المغربي، للقيام بمناوشات على شريان الطرق العابرة، من المغرب إلى افريقيا، ومحاولة عرقلة تبادل المنافع مع الدول الشقيقة والصديقة. هذا الاتجاه المعادي للمغرب، اصطدم بقوة مع القرارات السيادية، للبلدان الإفريقية والعربية التي سارعت للتعبير، عن دعمها للمغرب وفتحها لقنصليات عامة، في مدينتي العيون والداخلة؛ في تأكيد قوي وواضح لمغربية الصحراء. وهو الوضع الذي أخرج حكام الجزائر عن رشدهم وشجع أهواءهم لركوبهم المغامرات الخاسرة، في جر المنطقة إلى توترات هي في غنى عنها، إزاء تحديات النمو ومواجهة العوامل الضاغطة للتخلف,
إن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، العالم قد تغير، وأن الحل النهائي لن يكون إلا سياسيا، وواقعيا، ومتفاوض عليه ضمن ثوابت الأمة المغربية، والتي اختارت تنزيل الجهوية الموسعة، كأحد المداخل السياسية والاجتماعية، لصحراء هي جزء من الوطن والوطن لحمة منها. وهي روابط تعود إلى تاريخ أمة عريقة وقوية بمؤسساتها الوطنية، التي لن ينال من صمودها أضغاث أحلام المتاجرين في مآسي الناس، كما يتاجر مرتزقتهم في المساعدات الدولية.
العصابات الإجرامية التي يمولها النظام الجزائري، ويسخرها بقوة للمساس برموز سيادتنا الوطنية، انكشفت بوضوح في الأحداث التي عرفتها قنصلية المملكة بفالنسيا الاسبانية، وهي أمور تستدعي الإدانة القوية من كل الشعوب، لهذا السلوك الهمجي والبربري الذي تؤطره المجموعة الانفصالية، لجماعة البوليساريو، والتي أبانت عن جبنها وطبيعة عملها الإجرامي.
إن نفس العصابات هي التي وجدت بمعبر الكركرات، وكانت تسعى إلى التخريب ونشر العنف، لكنها تلقت الدروس من القوات المسلحة الملكية والتي حافظت طيلة الأسابيع الماضية، على ضبط النفس بالرغم من الاستفزازات التي كانت تؤطرها عصابات المأجورين وقطاع الطرق.
اليوم اتضحت الأمور، المغرب بقيادة عاهله وقواته الملكية والمسلحة والقوات الأمنية تصدى، بكل حزم و قوة ، للتجاوزات التي تحاول المس بسلامة واستقرار أقاليمه الجنوبية.
اليوم المغرب، اختار الدفاع عن السلم، واختار الجبهة الحقيقية للصراع، بإطلاق المشاريع الكبرى، للنهوض بتنمية الإنسان، والمجال وخلق الثروات، مع مزيد من السعي للتعاون الإقليمي والقاري البناء، لانبثاق إفريقيا جديدة تتطلع للتقدم الاجتماعي والرفاه الاقتصادي.
لقد أدركت افريقيا، أن عهد الصراعات والحروب، لم ينتج سوى مزيدا من البؤس، والقهر الاجتماعي للإنسان الإفريقي وأن الخيار الأمثل هو بناء إفريقيا أخرى، بالتعاون الاقتصادي بين بلدانها، وتحقيق التكامل بمصادر ثرواتها والتحالف القوي من أجل استئصال الحركات الارهابية المسلحة التي تسعى إلى الدمار ونسف الاستقرار وأسس البناء الجاد.

