رسالة إلى روح عبد الرحمن الحدور رحمه الله

رسالة إلى روح عبد الرحمن الحدور رحمه الله
مجلة 24: بقلم سمية البقالي القاسمي

مرحباً عزيزي عبد الرحمن، كيف حالكَ هناك؟ لا شكَّ أنك ستكون بخير.

أتدري؟ لا أبالغ إن قلت لك أنه لا يمر يوم إلا وتخطر ببالي، يأتي طيفك المُبتسم إليَّ ويذكرني بك.
في ليالٍ كثيرة أنام وأنا أكتم صوتي بالوسادة وأبكيك لساعات لأنك كنت بيننا ثم رحلت هكذا ولن تعود..

كان الموت بالنسبة لي شيئاً مجهولاً، كنت أتخيله يداً خفية مباغتةََ تخطف أرواح المسنين والناس الغرباء البعيدين عنا، لم أكن أتخيل يوما أنه سيطرق بابنا ويخطف منا شخصاً قريباً وعزيزاً جداً.
تعرفتُ على مرارة الموت لأول مرة عندما أخذَك منا هكذا فجأة ودون سابق إنذار. لم يكن ليخطر ببالي أن شاباً قويَّ البنية مثلك، طيب الأخلاق، جميل الابتسامة سيرحل عنا بهذه السرعة، لكنها أقدارُ الله الخفيةُ التي تستعصي على الفهم.
كان صعباً جداً أن يستوعب والداك وإخوتك ومعارفك أنك رحلت، كان صعباً أن نستوعب رحيل شاب مثلك، تاركاً فراغاً تعجز الكلماتُ عن غمره، وأسئلةً كثيرةً في نفس كل من عرفك.

في مثل هذا الشهر قبل عشرين عاماً جئتَ إلى هذا العالم، لكنكَ رحلتَ باكراً يا عبدَ الرحمن، وتركتَ أماً مكلومة انفطر قلبها لفراقك، وأباً يأبى تجاوز يوم وفاتك؛ ليتوقف الزمن به في ذلك اليوم القاتم. رحلتَ باكراً، لكنك تركتَ أثراً عميقاً يأبى النسيان.
ماذا بينكَ وبين الله لينعيك هذا العدد من الناس ويتحسرون لوفاتك؟ ليبكي عليك القريب والبعيد، الذين يعرفونك وحتى الذين لا يعرفونك؟ ماذا بينك وبين الله لتترك خلفك ختماتٍ قرآنية لم تنقطع ليومنا هذا؟

لطالما تساءلت كيف يمكنني أن أترك أثراً لأخلد ذاتي قبل أن أغادر هذه الدنيا، فجاء موتك جواباً شافياً لي، موتك كان درساً مفاده أن الأعمارَ تُقاس بالأثر والأعمال لا بِعدد السنين، أننا سنمضي لا محالة، وأن الذي يبقى ويستمرّ هو حبّ الناس لنا، وأن آثارَنا الطيبة هي التي تُخَلِّد الأرواح، أن الموت لا ينتقي أحداً بسِنِّه أو قوّته، لكنه يأتي على حين غرة منا ليأخذ الشاب والعجوز، المعافى والمريض، الطيب والخبيث، الغني والفقير، يأتي ليخبرنا أن الحياة زائلة ومتاع الدنيا زائل، وأخلاقنا وأعمالنا باقية لا تفنى.

لا أخفيك سراً أني بِقدر حزني عليك خفتُ كثيراً، خفتُ من يوم لم أُعِدّ له شيئاً بعد! بِتُّ أتساءل ماذا لو كان هذا آخر يوم لي في هذه الحياة؟ أجل، علمَنا موتُك أن نعيش كل يوم كأنه الأخير لنا، أن نطلب المغفرة من الله كل ليلة، أن لا نخجل من الاعتذار ممن آذيناهم يوماً عن قصد أو عن غير قصد، أن نستغل وجود من نحبهم ونقضي معهم وقتاً طويلاً، أن نعطي دون مقابل، أن نحب الخير للآخرين ونزرع الربيع في قلوب من نلتقيهم، أن ننشر الخير، نساعد، نبتسم، ولا نبخل بكلمة طيبة تزرع في اليائس أملاً..
ذكرَتنا وفاتُكَ أنه في يوم قريب جداً، سيتوقف الشهيق والزفير، يتوقف القلب عن ضخ الدماء إلى أنحاء الجسم، تنخفض درجة حرارة الجسم ويميل لونه إلى الزرقة، يتوقف عمل الدماغ وتتعطل جميع الوظائف البيولوجية، وتُغلَق العينان للأبد.. ثم توارى أجسامنا الثّرى.. بعدها إما أن يظل أثرنا محفوراً خالداً، وإما أن نضيع في غياهب النسيان، كأننا لم نكن يوماً..

رحمكَ الله يا عبدَ الرحمن،
نلتقي قريباً ❤

ابنة خالتك؛ سُمية..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *