قراءة مغايرة في دلالات الاحتجاج بالمغرب

قراءة مغايرة في دلالات الاحتجاج بالمغرب
بقلم فؤاد الجعيدي

تتعاطى حكومة السيد العثماني، مع الاحتجاجات الاجتماعية بالمغرب، بنوع من التشدد، وفي بعض الأحيان يتحول إلى نوع من الضرب لقمع الناس، في التعبير عن آلامهم وأحلامهم الاجتماعية.
لم يسبق لبيداغوجية العصا، أن قدمت حلولا أو أخرست ألسنة المحتجين، بل تزيد الطين بلة، كمن يصب الزيت على النار. في هذا المقام وبعجالة، نقلب في الوجه الايجابي للحركات الاحتجاجية في علاقتها بالمجتمع. حيث تظل بلاغة الاحتجاج، هي التعبير القوي، على دينامية المجتمع وحيويته، ورغبة أفراده وجماعاته في العثور، على مساحة من الأمل، للمشاركة الفعلية في الحياة الاجتماعية، والتفاعل القوي مع القضايا التي تهمهم، وتعنيهم في حاضرهم ومستقبلهم.
وهذه الحقيقة، تؤكد سوسيولوجيا أن المجتمع المغربي يتمتع بحيوية خاصة، يشترك فيها الرجال والنساء، في الدفاع عن حقوق أساسية من بينها، الحق في العمل والسعي للرزق بكرامة. أو لتحقيق جودة الحياة، كما صارت متداولة اليوم بين الناس.
كثيرا ما ذهبت بعض الأقلام، عن حسن نية للتعبير عن أغلبية صامتة، وهي مقولة كاذبة، في الأحداث التي عرفها المغاربة، وكانوا جزءا من تفاصيلها.
حيوية المجتمع المغربي، نلمسها في قدرته على إنتاج النكت السياسية، التي تصيغ المواقف من الظواهر السياسية، وتتعاطى معها بسخرية لاذعة وهادفة، للتصدي لأنواع كثيرة من الممارسات المقلقة، وترغب في زوالها والقطع معها.
إن هؤلاء في الواقع، يشكلون بمختلف أطيافهم، حزبا مقره الاجتماعي الشارع، في الوقت الذي تنكرت فيه الأحزاب، لوعودها الانتخابية المعسولة، وغدت لا تعبر عن آمالهم وآلامهم، ولا ترغب في تأطيرهم السياسي والاجتماعي، علما أن هذه الوظيفة تبناها الدستور المغربي وتؤدى تكاليف تمويلها، من المالية العمومية. حيث يفترض في الهيئات السياسية أن تكون مدارس، تعيد تربية المواطن التربية السياسية، التي تدعم القناعات بجدوى النضال الديمقراطي، من داخل ومع كل المؤسسات الوطنية، وهي مهام تقتضي، أن يتوافر للأحزاب بنيات استقبال عصرية وبرامج لتكوين المواطن، والمساهمة في بلورة وعيه السياسي، بما لا يخطئ أهدافه في الانتقال بالمجتمع إلى مراحل أكثر نضجا وثباتا على الخيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه.
في الاحتجاج كما يقول دوركايم، وحدها سلطة الوعي الجمعي، التي توحدنا وتجمع شتات أهوائنا، لتشكل القالب الموحد لشعاراتنا. ومثل هذا الوضع، هو الذي يلزمنا اليوم في التعاطي مع الاحتجاجات، بروح من المسؤولية والتشجيع عليها في إطار ضوابط القانون، وتمكين المنظمين لها من الشروط والظروف التي لا تعمل على زيغها للمس بالمؤسسات.
إن بلادنا قطعت أشواطا كبرى في بناء مؤسسات وطنية، على كل واحدة منها اليوم تحمل مسؤولياتها الوطنية، في مواجهة ومعالجة الاختلالات وليس مواجهة الناس أصحاب المطالب المشروعة، وأن لا نسمح ضمن تبني قناعات دولة المؤسسات، أن تستغل السياقات للتوجه إلى المؤسسة الملكية، كما يحدث عبر مواقع السوشيال ميديا، من طرف أشخاص، يركبون الأهواء والانفعالات اللحظية، لتداعيات ممقوتة سياسيا واجتماعيا. ولا يفقهون في وظائف كل مؤسسة.
علينا جميعا، أن نقول أن ساعة الحقيقة قد دقت طبولها، والصراحة تقتضي الجهر بأن الإخلال بالاحترام والوقار لأعلى سلطة بالبلاد، تترتب عليه مخاطر عدم احترام بقية السلط المجتمعية المادية والمعنوية: ( سلطة الأسرة والمعلم والطبيب والموظف الإداري ورجل الأمن في الشارع العمومي..) بدعوى أننا نمارس حرية مشكوك، في أمرها ونابعة من سيادة وسيطرة الجهل. إننا في هذا البلد الأمين، وقل الأمر لشعوب كثيرة في العالم، أن المؤسسة الملكية ابتدأت في العهد الروماني مع جوبا الثاني على مشارف مدينة العرائش بمدينة لوكسوس، واستمرت على مدى التاريخ الوطني لبلدنا وشعبنا، مساهمة في استقراره ومعاركه الوطنية الكبرى، ويحق لنا الافتخار بها وتمجيدها، باعتبارها طرفا وشريكا في الحقل السياسي وتتجاوب دون تردد مع تطلعات المواطنين وتنزاح لقضاياهم العدالة وحقهم في العيش الكريم.
ونعود لنؤكد أن الاحتجاجات الاجتماعية، المسؤولة والمؤطرة والمستقلة عن غير المعنيين بمضامينها، والمستقلة أيضا عن الحسابات الضيقة، لذوي النوايا في ركوب الأحداث ، هي صمام أمان للمجتمع، إن تقوى أطرافه على الجلوس إلى طاولة التفاوض البناء، والملزم لأطرافه والذي يكون في الكثير من الأحيان ذو فوائد معنوية أكثر منها مادية ويعبر عن مستوى حضاري لائق بشعبنا ومؤسساتنا.
غير أن هذه الأوضاع التي وصلنا إليها ما كانت لتكون، لو كانت أحزابنا في مستوى المرحلة، في تمكين المواطنين من الانخراط الواسع في صفوفها، وتمتيعهم بالحقوق في المشاركة السياسية الواسعة، في القرارات وعدم اعتبارهم قطيعا انتخاباويا لا يصلح سوى للجر لصناديق الاقتراع، في مسلسل تآكل بفعل التقادم، ويحتاج اليوم دفعة قوية وجرعات زائدة من الديمقراطية الحق. مع برامج واقعية ورجال ونساء، لهم القدرة على إبداع أفكار التقدم الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، والتقدم للناس بالبدائل الواقعية الممكنة لتجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والملزمة للمحاسبة والنقد الذاتي في حالات الفشل. أو على الأقل لو كانت هذه الأحزاب تتعاطى مع الأحداث، بنفس الجرأة والحزم والقوة الاقتراحية التي تتعاطى بها المؤسسة الملكية، لكان للمغرب وجه آخر غير هذا الذي نجتر اليوم خصاصه الاجتماعي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *