في الدين والدنيا وما بينهما من نضال
لما قررت أن أرى الحق حقا، والباطل باطلا، وهي أمور نسبية بين الناس، لعوامل التنشئة الاجتماعية والقناعات الفكرية والسياسية والمحن والهزات الذاتية، في مسار العمر، انتابني ارتياح شديد، لم أعد عرضة لذلك الاكتئاب اللعين، الذي كاد أن يهزمني في كثير من اللحظات. لكن أدركت أن جبر الخواطر الذي كنت أقوم به سابقا ولم أعد أطيق الاستمرار فيه كقن ضحوك لعوب. ألب علي الناس من حولي.
الناس، الذين أعاشرهم لهم قدرات خارقة في الفهم في كل شيء، ولا يرف لهم جفن من الخجل، ليقدموا لك فواتيهم التي هي أهون من بيوت العنكبوت. في الدين والدنيا والسياسة والتاريخ والتداوي بالأعشاب والسحر..
هؤلاء الناس أو بعضهم على الأقل، حين تنزل بهم مطبات الدنيا، يقصدونك طلبا في الحل وإيجاد مخارج لصعوبات اعترضتهم، في هذا الوقت يتحدثون بضعف المشتكي.. وحين تأتيهم بالفرج لضائقتهم، هنا يعودون إلى جحودهم القديم .
الحياة الحزبية والنقابية علمتني بالقناعات التي تمثلتها، أن إدارة هموم الناس تحتاج إلى الصبر، لفهم السلوكات الإنسانية وتفهم الوضعيات، انطلاقا من آليات العلوم النفسية والاجتماعية والسياسية والتاريخية، وعبر سنوات طويلة انشغلت بالدرس والتأمل للذات العربية، منذ مجتمعات القبائل والعشائر.
فأدركت أن الإنسان العربي، يعتمد على السمع والرواية والأخبار المنقولة، وتآمر على العقل، واعتبره جنوحا عن نواميس الطبيعة. بل كلما انبثق عالم عقلاني بيننا يوخز رؤوسنا بالأسئلة، إلا وارتفعت الأصوات تتهمه بالخروج عن ملة الأمة، وما جبل عليه الناس من قناعات جاهزة لا تقبل الجدال.
اختبرت في مرات قليلة، أن أقول لبعض العالمين بتراثنا أن نبينا الكريم تعذر دفنه ليومين، حتى فضت مسألة الخلافة، وأكدت أن خلفاءه امتدت إليهم أيادي الاغتيالات السياسية، كما دون التاريخ تفاصيل تلك الحقبة، من تاريخنا العربي الذي فضل البعض تغليفه بقداسة لا تنسجم مع النفوس البشرية .
الناس تجدهم في وقائع خاصة، يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأنهم سمعوا بخبر، ولم يتبنوا حقائقه كما حدث مع الرسوم التي قيل عنها، أنها أساءت للنبي. ولو كان لديهم تصورا، عن المصطفى صلوات الله عليه وسلم، لما انساقوا كالنعاج إلى حلبة اللغو.
نبينا الكريم كان شعره فاحما شديد السواد ورطبا. عيناه بهما بياض شديد تزينه عروق حمراء. وفمه الطيب به فلجة على بياض أسنان مثل الجواهر. وخداه يكاد ينفجر منهما الدم. واكتملت فيه كل صفات الصدق ومكارم الأخلاق.
جاء رحمة للعالمين وجاء شفيعا ببني البشر، في دين جب ما قبل من الديانات، ولم يكن فضا غليظ الطبع. لكن التاريخ سجل أن ما تعرض له من عنف أتى من العشيرة، وصل إلى حدود رميه بالحجر كما فعل أبو لهب حتى أصابه بجرح غائر بجوار الكعبة، وظل يجادل الناس بالتي هي أحسن حتى أتاه اليقين. في دين ظلت تسعون بالمائة من تعاليمه الواردة بكتاب الله عز وجل، نزلت لتقعد للناس طرق المعاشرة والتعامل في حياتهم الدنيوية والاجتماعية وعشرة بالمائة اشتغلت على العلاقة بين الخالق والمخلوق والتصديق بفكرة الخالق الواحد الأحد ووجوب الثناء عليه بالعبادات. وبدون وسائط ولكل إنسان كتاب، يدون به خيره وشره وعلى أساسه سيتم الحساب يوم الدين.
لكنني، أجد انحرافات كثيرة ومتعددة، من هذا المحيط الذي أعيش فيه على ألسنة العارفين والجاهلين، الذين ينصبون أنفسهم دفاعا عن خالق هو وحده العالم بالنفوس والسرائر، وما تضمر وتخفي وما تظهر وتعلن.

