عيد العرش المجيد حيث الوفاء للوطن مسؤولية والمحاسبة وفاءً للإرادة الملكية

عيد العرش المجيد حيث الوفاء للوطن مسؤولية والمحاسبة وفاءً للإرادة الملكية
رضوان أبوالهدى نائب الكاتب المحلي لحزب الأمل بمدينة سطات وعضو في الأمانة العامة للحزب

لا يمثل عيد العرش المجيد مجرد محطة احتفالية تتجدد فيها مشاعر الولاء والإخلاص للعرش العلوي المجيد، بل هو مناسبة وطنية بامتياز لاستحضار المسار الذي قطعه المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وللتأمل في حجم التحولات التي شهدتها المملكة، كما أنه موعد سنوي لتقييم حصيلة الإنجاز، والوقوف عند مكامن الخلل، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أحد أعمدة دولة الحق والمؤسسات.

لقد قاد جلالة الملك، منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، مشروعًا وطنيًا متكاملًا، يقوم على رؤية استراتيجية جعلت من المغرب ورشًا مفتوحًا للإصلاح والبناء. ففي زمن تعيش فيه المنطقة والعالم على وقع أزمات اقتصادية وسياسية ومناخية وأمنية متلاحقة، استطاع المغرب أن يرسخ مكانته كشريك موثوق، وأن يحقق إنجازات نوعية في البنيات التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، والاستثمار، والدبلوماسية، والحماية الاجتماعية، وغيرها من المجالات التي أصبحت محل إشادة من مؤسسات دولية وشركاء عبر العالم.

ولم يعد مغرب اليوم هو مغرب الأمس؛ فقد تغيرت ملامح المملكة في كثير من المجالات، وأصبحت المشاريع الكبرى عنوانًا لمرحلة جديدة من التنمية والتحديث، وهي مشاريع لم تكن لتتحقق لولا الإرادة الملكية الواضحة، والمتابعة المستمرة، والرؤية الاستشرافية التي تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.

غير أن هذه المناسبة الوطنية لا تكتمل دلالتها إذا اكتفينا بالاحتفاء بما تحقق، دون أن نتساءل، بكل مسؤولية وصدق: ماذا عن الأوراش التي أعطى جلالة الملك انطلاقتها ولم تر النور في الآجال المحددة؟ وماذا عن المشاريع التي رُصدت لها الاعتمادات، لكنها تعثرت أو فقدت جزءًا من أهدافها بسبب سوء التدبير أو ضعف الحكامة أو غياب الجدية؟ وماذا عن المواطن الذي ما زال ينتظر ثمار مشاريع أُعلن عنها منذ سنوات، ولم تصل إليه بعد؟

إن الوفاء الحقيقي للإرادة الملكية لا يكون بالتصفيق للمشاريع عند إطلاقها، وإنما بتنفيذها كما أُريد لها، وفي آجالها، وبالجودة التي تستحقها، خدمةً للمواطن وصونًا للمال العام. ومن هنا، فإن المحاسبة ليست انتقاصًا من قيمة المسؤول، بل هي تكريس لهيبة الدولة، وضمان لاستمرار الثقة بين المواطن ومؤسساته.

لقد أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة أن المسؤولية ليست امتيازًا، بل تكليف، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستوري لا ينبغي أن يبقى شعارًا، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة فعلية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بعيد العرش هو أيضًا دعوة صريحة إلى فتح ملفات كل مشروع عرف تأخرًا غير مبرر، أو توقف دون سبب مشروع، أو شابته اختلالات في التدبير أو التنفيذ، مع ترتيب المسؤوليات وفق ما تثبته الجهات المختصة، واحترام الضمانات القانونية. كما يقتضي التصدي بحزم لكل من استغل مشروعًا عموميًا لتحقيق مصالح شخصية، أو مكن أفرادًا أو جماعات من الانتفاع غير المشروع من المال العام أو النفوذ، لأن حماية المال العام ليست خيارًا، وإنما واجب وطني وأخلاقي ودستوري.

إن المغرب الذي يطمح إليه جلالة الملك هو مغرب الكفاءة والنزاهة والإنجاز، لا مغرب التردد والتسويف والإفلات من المسؤولية. وهو مغرب تُقاس فيه قيمة المسؤول بما يحققه من نتائج، لا بما يشغله من مناصب، ويكون فيه القانون فوق الجميع، دون تمييز أو استثناء.

إن أكبر احتفال بعيد العرش ليس في الكلمات والخطب، وإنما في تسريع وتيرة الإنجاز، وفي رفع كل أشكال التعثر عن المشاريع الملكية، وفي إنصاف المواطن الذي ينتظر خدمات عمومية ذات جودة، وفرصًا متكافئة، وتنمية تصل إلى كل ربوع المملكة.

ولعل ما شهدته السواحل المغربية خلال الأيام الأخيرة، من إقدام عدد من الشباب على المجازفة بأرواحهم في محاولة الوصول إلى سبتة المحتلة سباحة أو عبر مسالك غير نظامية، يمثل ناقوس خطر لا يجوز التعامل معه باعتباره حدثًا عابرًا أو مجرد خبر موسمي. فهذه المشاهد المؤلمة لا تنتقص من حجم المنجزات التي حققتها المملكة، لكنها تدعو، في المقابل، إلى وقفة وطنية صادقة لطرح السؤال الجوهري: لماذا لا يزال بعض شبابنا يرى في المخاطرة بحياته خيارًا، رغم ما تحقق من إصلاحات ومشاريع كبرى؟ ألَا يقف المسؤولون وقفة رجل واحد لتشخيص مكامن الخطر المحدق واصلاح ما يمكن اصلاحه، سيما وأننا مقبلون في العشرية المقبلة على اتساع مساحة هرم الشيخوخة في المغرب وأن الحل هو رفع معدل الولادات والاستثمار في الشباب المغربي بتقديم كل سبل الولوج لسوق الشغل وضمان العيش الكريم والحد من ارتفاع الاسعار المبالغ فيها على كافة الأصعدة.

سيظل عيد العرش المجيد رمزًا لوحدة الأمة المغربية، وتجسيدًا للعلاقة المتينة بين العرش والشعب، كما سيظل مناسبة وطنية لتجديد العهد على مواصلة البناء، وتجديد الالتزام بخدمة الوطن، وتجديد الإيمان بأن قوة المغرب تكمن في ملكية راسخة، وشعب وفي، ومؤسسات قوية، وإدارة تجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتُخضع كل تقصير أو استغلال أو إخلال للمساءلة وفق أحكام الدستور والقانون، حتى تظل الأوراش الملكية عنوانًا للإنجاز لا للتعثر، وللتنمية لا للهدر، وللثقة لا لخيبة الأمل.

حفظ الله أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *