المغرب في مرمى الانتخابات الإسبانية.. أسطوانة مشروخة أم ورقة رابحة للخوف؟
كلما اقتربت الانتخابات في إسبانيا، يبدو أن بعض السياسيين يكتشفون فجأة أن المغرب هو “المشكلة”. تتغير الملفات، تتبدل الشعارات، وتتغير أسماء المرشحين، لكن الوصفة نفسها تعود: المغرب في الواجهة، عناوين ساخنة، تصريحات عالية النبرة، وجرعات محسوبة من التخويف السياسي والإعلامي.
المشهد أصبح مألوفاً إلى درجة أن المتابع قد يتساءل: هل أصبح الحديث عن المغرب جزءاً من البرنامج الانتخابي لبعض الأحزاب، أم أن بعض السياسيين لم يجدوا ما يكفي من الإجابات عن الملفات الداخلية، فقرروا البحث عن شماعة خارج الحدود؟
المشكلة ليست في أن تنتقد مدريد الرباط، أو أن تختلف معها حول ملف معين. الاختلاف بين الدول طبيعي، والمساءلة السياسية والإعلامية حق مشروع. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف إلى أداة للتجييش الانتخابي، وعندما يصبح المغرب مادة سهلة لاستثارة المخاوف بدل تقديم حلول واقعية لمشاكل المجتمع الإسباني.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: النقد السياسي المسؤول، والخطاب الشعبوي الذي يعيش على صناعة الخصوم.
فالعلاقات المغربية الإسبانية ليست علاقة عابرة يمكن اختزالها في تصريح انتخابي أو تغريدة غاضبة. نحن أمام بلدين يجمعهما تاريخ طويل وجغرافيا مشتركة ومصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية متشابكة.
الهجرة، الأمن، التجارة، الاستثمار، الطاقة، محاربة الجريمة المنظمة، ومراقبة الحدود، كلها ملفات تجعل التعاون بين الرباط ومدريد ضرورة واقعية، وليس مجاملة دبلوماسية.
ولهذا فإن محاولة نسف هذه الحقيقة بخطاب انتخابي متشنج لا تخدم حتى المصالح الإسبانية نفسها.
الأخطر من ذلك أن الخطاب السياسي عندما يكرر صورة المغرب باعتباره “عدواً دائماً”، فإن تداعياته لا تتوقف عند حدود البرلمان أو المنابر الإعلامية.
هناك جالية مغربية تعيش داخل إسبانيا.
هناك مغربي يستيقظ صباحاً للذهاب إلى عمله، وأم تذهب بأطفالها إلى المدرسة، وطالب يتابع دراسته، وتاجر يدير مشروعه، وأسرة بنت حياتها بين بلدين.
هؤلاء لا علاقة لهم بالمزايدات السياسية.
ولا يجوز أن يتحولوا إلى ضحايا جانبيين لمعركة انتخابية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
فحين يعلو صوت التخويف السياسي، قد يدفع المواطن المغربي الثمن في الشارع، وفي مكان العمل، وفي المدرسة، وفي نظرة الآخر إليه. وهنا تتحول الكلمات التي قيلت بحثاً عن أصوات الناخبين إلى واقع اجتماعي قد يكون أكثر قسوة من التصريح نفسه.
وهذا تحديداً ما يجعل المسؤولية مضاعفة على الإعلام.
الإعلام المهني لا يعني الصمت عن الخلافات، بل يعني وضعها في سياقها الصحيح، والتحقق من المعطيات، والابتعاد عن العناوين التي تصنع عدواً من أجل رفع نسب المشاهدة أو خدمة أجندة سياسية.
أما أن يصبح المغرب عنواناً جاهزاً لكل أزمة وكل انتخابات، فذلك لا يبدو نقداً بقدر ما يبدو استثماراً سياسياً في الخوف.
وبالمقابل، فإن المغرب مطالب أيضاً بعدم الوقوع في فخ الرد الانفعالي. فالدولة التي تراهن على علاقاتها الاستراتيجية لا تحتاج إلى الدخول في سجال يومي مع كل تصريح أو عنوان.
المطلوب هو الدبلوماسية الهادئة، والرد حين يكون الرد ضرورياً، والدفاع الصريح عن مصالح المغاربة في الخارج، وفي مقدمتها كرامة الجالية وحقوقها، مع الحفاظ على منطق الندية والاحترام المتبادل
فلا الرباط تحتاج إلى مدريد كي تكون موجودة، ولا مدريد تستطيع تجاهل الرباط وهي تنظر إلى جنوبها.
الجغرافيا أقوى من الخطابات الانتخابية، والمصالح الاقتصادية أكثر صلابة من الشعارات، والتاريخ المشترك أطول عمراً من الحملات الانتخابية.
وفي نهاية المطاف، يستطيع السياسي أن يربح بعض الأصوات من خلال التخويف من “الآخر”، لكنه لا يستطيع أن يبني بهذه الطريقة علاقة استراتيجية مستقرة ولا مجتمعاً متماسكاً.
لقد آن الأوان لأن تتوقف بعض القوى السياسية والإعلامية عن التعامل مع المغرب باعتباره ورقة انتخابية موسمية. فالناخب الإسباني يحتاج إلى إجابات حول السكن والأسعار والصحة والتعليم وفرص العمل، وليس إلى عدو خارجي جديد كلما اقترب موعد الاقتراع.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت مرتفع:
إذا كانت العلاقات المغربية الإسبانية مهمة إلى هذا الحد للأمن والاقتصاد والاستقرار في البلدين، فمن المستفيد فعلاً من تحويل المغرب، في كل محطة انتخابية، إلى شماعة سياسية وإعلامية؟ وهل يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالح إسبانيا، أم بمجرد بيع الخوف للناخب بحثاً عن صندوق الاقتراع؟

