المعجم السياسي المغربي: من صراع الأفكار إلى لغة الشارع تراجع «المثقف المناضل» وصعود «المقاول السياسي».. قراءة في تحول فكر النخب بالمغرب

المعجم السياسي المغربي: من صراع الأفكار إلى لغة الشارع  تراجع «المثقف المناضل» وصعود «المقاول السياسي».. قراءة في تحول فكر النخب بالمغرب
بقلم: د. حمزة الشواي

دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ومحكم معتمد لدى وزارة العدل، ومحام متمرن بهيئة الدار البيضاء.

تقف التجربة السياسية والدستورية المغربية أمام مفارقة بنيوية دالة؛ فالمسافة الفاصلة بين معجم الحقل السياسي خلال عقدي الستينيات والسبعينيات والقاموس المتداول حاليا لا تقاس بمجرد توالي الحقب الزمنية، بل تكشف عن تناقض صارخ بين طبيعة النص الدستوري ومستوى نضج الفاعل الحزبي. لقد استطاع جيل التأسيس في الحركة الوطنية—رغم سياق الاحتقان، وحالة الاستثناء، وثقل سنوات الرصاص—الارتقاء بالتدافع السياسي إلى مستوى رفيع من التأصيل المعرفي، عبر مساءلة جوهر فصل السلط، وطبيعة نظام الحكم، والتأويل الديمقراطي للوثيقة الدستورية؛ في حين عجزت نخب مرحلة ما بعد وثيقة فاتح يوليوز 2011—على الرغم من حيازتها إطارا معياريا متقدما يكرس ربط المسؤولية بالمحاسبة ويوسع صلاحيات رئيس الحكومة والبرلمان—عن صيانة وقار الممارسة المؤسساتية، فانحدر الخطاب العام نحو «شعبوية لسانية» وقاموس دارج ومشحون، طغت عليه استعارات من قبيل «التماسيح والعفاريت» و«الفراقشية»، وتوصيفات تبخيسية أطلقها مسؤولون مثل «المداويخ»، وملاسنات استعلائية اختزلت الفعل العمومي في مقولات رصدها الرأي العام كـ «نعاودو ليهم التربية»، و«باه لاباس عليه»، و«معرفة التقاشر».

مرحلة التأسيس: صراع الأفكار الكبرى وبناء الدولة

عقب استقلال البلاد ومباشرة بناء مؤسسات الدولة الحديثة، تميزت الساحة السياسية بهيمنة نخب حقوقية وفكرية تدرجت في أحضان الحركة الوطنية وصفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والعمل النقابي. وكان التدافع متمحورا حول قضايا الهيكلة المؤسساتية؛ حيث اعتبر الفاعل الحزبي نفسه مؤطرا ومثقفا ينهض بوظيفة التكوين السياسي للمواطنين. وفي هذا السياق السياسي المحتدم، لخص المهدي بن بركة جوهر المعركة بكونها صراعا بين مفهومين لا ثالث لهما: «مفهوم دولة عصرية ديمقراطية وتقدمية، ومفهوم نظام ديني استبدادي (ثيوقراطي) إقطاعي يعمل على إحياء الهياكل البدائية للمجتمع التقليدي للإبقاء على الامتيازات ومقاومة المسلسل التنموي» (1). وفي المقابل، بادر أحمد رضا اكديرة (مدير ديوان ولي العهد آنذاك، ومستشار الملك الحسن الثاني لاحقا) إلى التنظير للممارسة المباشرة للحكم في افتتاحية جريدة Les Phares مؤكدا: «الملك هو صاحب السلطة، فلا يأتي الأمر إلا منه وهو الذي يحصل على طاعة الأمة؛ فلماذا لا يمارس بطريقة مباشرة السلطة التي هو المالك الوحيد لها؟» (2).

وفي سياق هذا الفكري، صاغت قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية—وعلى رأسها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية—مفاهيم مهيكلة أضحت مراجع في فقه القانون الدستوري؛ فجرى التشديد على مطلب “المجلس التأسيسي المنتخب”، وصياغة مفهوم “الدستور الممنوح” لمقاطعة مشروع 1962، قبل أن يلتحق حزب الاستقلال بجبهة الرفض الدستوري المشترك بتأسيس “الكتلة الوطنية” ومقاطعة دستوري 1970 و1972 (3)، ترسيخا لقاعدة دستورية تعتبر أن السيادة للأمة تمارسها عبر ممثليها، وليست عطاء يمنح بإرادة فوقية. ولم يتردد الزعيم علال الفاسي في مواجهة التضييق الذي طال صحافة حزبه عقب انتخابات 1963 بالتذكير بمقولة جمال الدين الأفغاني عبر صفحات جريدة La Nation africaine: «يمكن أن يعيش الشعب بدون ملك، ولكن لا يمكن أن يعيش الملك بدون شعب» (4). وتكامل هذا الطرح مع فتوى الفقيه محمد بن العربي العلوي برفض دسترة الوراثة تقييدا لمبدأ البيعة والشورى التعاقدية (5). وحين أعلنت “حالة الاستثناء” عام 1965 وعُطّل البرلمان، وقف رئيس مجلس النواب آنذاك الدكتور عبد الكريم الخطيب ليعلن موقفه الدستوري التاريخي الحاسم: «إن حالة الاستثناء تعلن لتفرض احترام المؤسسات الدستورية وليس لتقضي عليها.. هذا تأويل متعسف وغير دستوري للفصل 35، وإنه باب مفتوح للتعسف في استعمال السلطة» (6).

ولم تكن تلك المواقف مجرد مناورات ظرفية، بل كانت تعبيرا عن استعداد للتضحية بالحرية في سبيل المبدأ والتزاما بأخلاقيات الخصومة؛ وهو ما تجسد حين حوكم عبد الرحيم بوعبيد والقيادة الاتحادية أمام المحكمة الابتدائية بالرباط في شتنبر 1981 إثر رفضهم لتوصيات قمة نيروبي بإجراء استفتاء تأكيدي في الصحراء المغربية، ليعلن بوعبيد في مرافعته أمام القضاء: «إن الحكم الصادر ضدنا شرف لنا، وإذا كان قول الحق والدفاع عن وحدة الوطن جريمة تقود إلى السجن، فمرحبا بالسجن» (7).

مرحلة التسعينيات: لغة الحوار والإنقاذ الوطني

مع مطلع التسعينيات، فرضت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والتحولات الدولية الانتقال إلى منطق التوافق لتيسير الانتقال الديمقراطي والسياسي؛ فتشكلت “الكتلة الديمقراطية” عام 1992 كجبهة توازن سياسي، وتفاعلت القوى الوطنية مع خطاب جلالة الملك الحسن الثاني داخل البرلمان محذرا من وصول البلاد إلى “السكتة القلبية” عام 1995 (8)، مما مهد لمراجعة دستور 1996. وكان جلالة الملك الراحل قد أوضح في وقت سابق حدود التأويل الملكي لفصل السلط في خطابه لافتتاح الدورة التشريعية في 13 أكتوبر 1978 بتأكيده أن «فصل السلطات لا يمكن أن يشمل المسؤولية العليا لأمير المؤمنين، فالسلطات تخضع لمراقبة الله ثم مراقبة من ولاه الله أمور المسلمين، ثم مراقبة المنتخبين» (9)، مجددا في خطابه بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1994 أن «الوزير الأول يقترح الوزراء ولا يعينهم، ولا يوجد في الدستور ما يلزم الملك بقبول ما يقترحه» (10).

إلا أن ذلك لم يحل دون تمسك المعارضة بجدوى الممارسة الديمقراطية واستقلالية القرار؛ حيث جسد امحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال، هذا الموقف المبدئي في يناير 1995 برفضه قيادة حكومة التناوب مع الإبقاء على إدريس البصري في الداخلية، مصرحا بصرامة: «لا يمكن لحكومة تقودها المعارضة أن تحكم وتتحمل مسؤوليتها أمام الشعب، وهي محاصرة بوزارة داخلية تملك صلاحيات فوق الحكومة» (11)، مفضلا البقاء في صفوف المعارضة على تسلم حكومة منزوعة الاختصاص.

وحين نضجت شروط “التناوب التوافقي” عام 1998 وقبلت الكتلة قيادة الجهاز التنفيذي، حرص الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي على ضبط البوصلة الأخلاقية للتجربة في كلمته التوجيهية: «إننا لم نأت لتقاسم الغنائم أو توزيع الحقائب، بل جئنا في مهمة إنقاذ وطني لإخراج البلاد من أزمتها» (12). ورغم خضوع التجربة لثقل “وزارات السيادة”، فإن الخطاب السياسي ظل محافظا على سمته المؤسساتي الموزون، متوجا في عهد جلالة الملك محمد السادس بمفاهيم “المفهوم الجديد للسلطة” والعدالة الانتقالية عبر هيئة “الإنصاف والمصالحة”. وحين برز الخلاف الدستوري عقب انتخابات 2002 بتعيين وزير أول تكنوقراطي خارج الحزب المتصدر، احتج اليوسفي بمفهوم قانوني وسياسي وازن وصفه بـ “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” (13).

ما بعد 2011: تراجع لغة النصوص لصالح لغة التبرير

شكلت المصادقة على وثيقة 2011 وتولي حزب العدالة والتنمية قيادة الجهاز التنفيذي تحولا تواصليا كسر التقاليد المرعية للخطاب المؤسساتي؛ إذ تراجع العمل الحكومي عن لغة القانون والبيانات الرسمية الرصينة، مفسحا المجال لـ “الدارجة السياسية” ومنطق الفرجة الشعبية. والمفارقة هنا تكمن في أنه في الوقت الذي ارتقى فيه الدستور بموقع رئيس الحكومة من مجرد “وزير أول منسق” إلى رئيس سلطة تنفيذية كاملة الصلاحيات محكوم بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، اختار عبد الإله بنكيران التراجع عن لغة النصوص والآليات الدستورية؛ فدشن ولايته عام 2012 بمقولة «عفا الله عما سلف» (14)، معتبرا إياها تسوية شفهية لتفادي فتح ملفات الماضي، في خطوة عدها فقهاء القانون نسفا صريحا للمبدأ الدستوري القاضي بالمحاسبة والمساءلة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل برر تنازله الصريح عن اختصاصات الجهاز التنفيذي وممارسة السلطة التنظيمية والإدارية المستندة إلى الفصول 89 و90 و91 و92، وتخليه عن منطوق المنهجية الديمقراطية ومكانة الحزب المتصدر في مفاوضات الأغلبية تحت وطأة “البلوكاج”، بمقولته المتكررة أمام مناضلي حزبه: «أنا رئيس حكومة جلالة الملك، وما جيتش نتنازع مع الملك في صلاحياته» (15)، مختزلا رئاسة الجهاز التنفيذي في وظيفة المساعد تفاديا للمواجهة. وقد مثل هذا المسلك نوعا من “الاستقالة الطوعية” من المسؤولية السياسية والاحتماء الدائم بـ “التعليمات”، بما حوّل استقلالية القرار الحكومي إلى مجرد خطابة تبريرية تنسف جوهر الفصل الأول من الدستور. وكرس خلفه سعد الدين العثماني هذه العقيدة التبريرية بلازمته الشهيرة: «حنا ما عندناش عصا سحرية» (16)، في انسحاب واضح من تقديم الحلول البرامجية التنموية في مواجهة احتجاجات الشارع.

وعوض إعمال الصلاحيات التنفيذية لمواجهة مراكز الريع والضغط، لجأ بنكيران إلى الاستعارات الغيبية الحكائية عبر مصطلح “التماسيح والعفاريت” (17)، واصفا إياها بقوى خفية تعرقل عمله دون أن يملك الجرأة الدستورية على تسميتها أو تفعيل أدوات المساءلة القانونية بشأنها. وامتد هذا التسطيح ليشمل التراجع عن أفق المناصفة المنصوص عليه في الفصل 19 من الدستور، حين صرح بنكيران في جلسة المساءلة الشهرية للسياسات العامة بمجلس النواب مخاطبا النساء بأن «المرأة مثل الثريا، إذا خرجت انطفأ البيت» (18)، مما أثار حفيظة الحركة النسائية والحقوقية التي اعتبرت الخطاب تشييئا للمرأة وارتدادا عن المكاسب الدستورية.

وتوج هذا المسار بنقل التدافع السياسي إلى حقل لصوصية المواشي؛ حيث ظهر بنكيران في لقاء تواصلي حزبي بدكالة وهو يروي بأسلوب حكائي ساخر أنه تعلم كلمة «الفراقشية» خلال فترة اعتقاله بالسجن (بدرب مولاي الشريف وغيره)، موظفا الكلمة في تحليل السياسة العمومية لاتهام الحكومة الحالية بتبديد أموال دعم استيراد أضاحي العيد لصالح كبار المستوردين، معتبرا أن الدعم لم يخفض الأسعار على المواطنين بل تحول إلى “ارتشاء انتخابي” وسرقة للمال العام تشبه سطو قطاع الطرق على المواشي (19).

انحدار النقاش العام: صعود “النموذج المقاولاتي” ومأزق المعارضة

أفرز هذا المسار بيئة تواصلية متدهورة، تداخل فيها الاستقطاب المفتعل مع ثقافة “الإدارة المقاولاتية الجديدة”؛ فتولى إلياس العماري، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، تأجيج الاستقطاب بإطلاق شعار «جئنا لنواجه الظلاميين»، في حين تحولت مقولته التبريرية لثروته السريعة: «بديت بـ 500 درهم فالرباط» إلى مادة للتندر الشعبي (20). وفي المقابل، قاد حميد شباط موجة من الاتهامات الاستعراضية داخل قبة البرلمان مطالبا رئيس الحكومة علنا بتوضيح صلاته بـ «الموساد وداعش»، ليرد عليه بنكيران باستهزاء واصفا إياه بـ «أعجوبة الزمان» (21).

كما بلغت الفرجة الاحتجاجية ذروتها حين أخرج شباط الخلاف السياسي إلى الشارع بتنظيم مسيرة بالرباط في شتنبر 2013 احتجاجا على نظام “المقايسة”، وظفت فيها شبيبة حزبه الحمير بربطات عنق وتيجان كتبت عليها لازمة رئيس الحكومة: «واش فهمتني ولا لا»؛ وهو ما عده المحللون تشبيها رمزيا مباشرا لرئيس الجهاز التنفيذي بالحمار ومؤشرا خطيرا على انحدار الخطاب السياسي نحو الابتذال والتهريج، مستدعيا ردا متهكما من بنكيران اعتبر فيه أن استقدام الدواب للاحتجاج «أضحك فينا العالم» (22). وتجاوز العبث حدود الشأن الداخلي إلى إشعال أزمة دبلوماسية كبرى مع الجارة الجنوبية إثر تصريح شباط بأن «موريتانيا تاريخيا أرض مغربية» (23)، مما استدعى تدخلا ملكيا عاجلا وصدور بلاغات تبرؤ رسمية لتدارك تداعيات زلة لسان حزبية غير محسوبة.

ولم تكن النخب التكنوقراطية والوزارية بمنأى عن هذا التراجع اللغوي؛ إذ بلغ ازدراء الرأي العام مداه حين وصف وزير الاقتصاد والمالية الأسبق محمد بوسعيد ملايين المقاطعين بـ «المداويخ» تحت قبة البرلمان (24). وفي مشهد غير مسبوق في الأعراف الوزارية، نزل الوزير المكلف بالحكامة لحسن الداودي ليلا ليتظاهر أمام البرلمان حاملا علبة حليب ومرددا وسط عمال شركة تجارية خاصة شعار «سنطرال ولاد الشعب!» لمواجهة حملة المقاطعة، وهي الواقعة التي عجلت بإنهاء مهامه الحكومية (25).

ومع صعود الأغلبية الحكومية الحالية المشكلة من نخب رجال الأعمال والأعيان، تكرس تحول بنيوي في فلسفة الحكم؛ حيث جرى استبدال مفهوم “المرفق العمومي” بمنطق “المقاولة الخاصة”، والتعامل مع المواطنين كـ “زبناء” لا شركاء دستوريين . وقد انعكس هذا المنطق في شيوع نبرة استعلائية فجة؛ تجلت في المشهد الانفعالي لرئيس الحكومة عزيز أخنوش بميلانو وهو يصرح بحركات يده الغاضبة بأن القضاء ومؤسسات العدالة وحدها لا تكفي لمعاقبة من ينتقدون المؤسسات، مؤكدا أن «المغاربة اللي ناقصاهم التربية خصنا نعاودو ليهم التربية ديالهم» (26)، متجاوزا واجب الإنصات الدستوري إلى تقمص دور المؤدب للمجتمع.

وتكرر السلوك ذاته حين حاصر الصحفيون وزير العدل عبد اللطيف وهبي بأسئلة حول شبهات الزبونية في امتحان المحاماة وتفوق نجله، فرد بابتسامة فوقية مستعرضا امتيازه الطبقي: «ولدي عندو جوج إجازات فـ مونريال، باه لاباس عليه وخلص عليه وقراه فالخارج!» (27). وامتدت هذه النبرة السلطوية إلى الميدان حين ظهر وهبي في مقطع مصور بتارودانت وهو يقاطع مسؤولا محليا بنبرة حادة: «أنا وزير العدل وسلطة التنفيذ هو أنا، وكنعرف كلشي وكنعرف حتى لون التقاشر اللي لابس!» (28). وفي المنحى عينه، نعت رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي منتقديه في لقاء حزبي بـ «المرضى النفسيين»، منخرطا في ملاسنات شخصية متبادلة وُصف فيها بـ «الذيب الشارف» (29).

وفي المقابل، عاشت المعارضة البرلمانية مأزقا هيكليا صارخا؛ فرغم أن دستور 2011 خصها في الفصل 10 بمكانة حقوقية نوعية (رئاسة لجنة التشريع، التوفر على وسائل كافية للنهوض بمهامها، وحق الطعن والإحالة على المحكمة الدستورية)، إلا أنها انكفأت عن استثمار هذه الترسانة المعيارية في المراقبة الموضوعية وتقييم السياسات العمومية، منزلقة بدورها إلى مجاراة لغة السجال والفرجة الزجلية. فبينما حاول نبيل بنعبد الله ترشيد النقاش باقتراح مصطلح “التحكم” لتوصيف الهندسة الإدارية للخريطة الحزبية—قبل أن يتدحرج في حواره الصحفي إلى شخصنة الصراع بمقولته: «مشكلتنا ليست مع البام كحزب، بل مع من أسسه ويوجد وراءه»، وهو ما أعقبه صدور بلاغ حازم من الديوان الملكي— (30)، واكتفى إدريس لشكر بانتقاد “تغول الأغلبية” وهيمنتها على المجالس الترابية بعد انتخابات 2021 (31)، اضطر محمد أوزين للالتفاف على تبعات واقعة عشب المجمع الرياضي بالاعتماد على معارضة زجلية ساخرة تصف الأغلبية بكونها «طايحة فالحْصْلة ماشي فالحصيلة» والانخراط في حرب “الكلاشات” (32)، في حين تشبثت نبيلة منيب بخطاب اليسار الراديكالي الداعي إلى “الملكية البرلمانية” وفضح ما نعتته بـ “دكاكين الأحزاب الانتخابية الفاقدة للأخلاق” (33).

جذور الأزمة: كيف تحول الفاعل الحزبي من مناضل إلى “مقاول”؟

تفسر السوسيولوجيا السياسية هذا التناقض البين بين اتساع النص الدستوري وتراجع النخبة الحزبية عبر خمس محددات بنيوية مترابطة:

1. صعود «أولغارشية المال والسياسة» و«عقلنة الحزب على نمط المقاولة»: في مرحلة ما قبل 2011، كانت القيادات نتاج التكوين الحقوقي والفكري والنضال النقابي والطلابي؛ غير أن تشتيت المشهد الحزبي وتفكيك محاضن الوساطة فتحا الباب أمام صعود نخب ريعية وأعيان انتخابيين ورجال أعمال يفتقرون إلى العمق النظري والتجربة السياسية، فعوضوا العجز الفكري باللجوء إلى «الشعبوية اللسانية» والابتذال التواصلي، محولين الأحزاب إلى مقاولات انتخابية لتوزيع التزكيات والمواقع

2. أثر الهندسة الانتخابية وتعديلات 2021: أسهمت التعديلات التي طالت القوانين الانتخابية لسنة 2021—خصوصا إلغاء العتبة واحتساب القاسم الانتخابي على أساس المقيدين لا المصوتين—في تفتيت التمثيلية البرلمانية وتجريد التنافس من بعده الإيديولوجي والبرامجي، مما حد من قدرة الأحزاب الكبرى على إفراز أغلبيات سياسية متجانسة وفتح الباب واسعا أمام صعود “أصحاب الشكارة” ونخب الدوائر المحلية على حساب الكفاءات الفكرية والسياسية.

3. استنفاد الصراع الدستوري وسيادة منطق الغنائم: بعدما استوعبت وثيقة 2011 معظم المطالب التاريخية للكتلة الديمقراطية (فصل السلط، ترسيم الأمازيغية، تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، وتوسيع مجال القانون)، عجزت الأحزاب عن الانتقال من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة الحكم وإنتاج السياسات العمومية، فتحول التنافس الحزبي من صراع مشاريع مجتمعية إلى تسابق محموم على الحقائب وتوزيع ريع المسؤوليات.

4. توظيف الاستعارة للتملص من ربط المسؤولية بالمحاسبة: يشكل الهروب إلى مفردات مثل “العفاريت” و”الفراقشية” و”عفا الله عما سلف” آلية سيكوسياسية لتبرير العجز التدبيري؛ حيث يمنح الفاعل الحكومي نفسه شهادة براءة بادعاء مواجهة قوى غيبية مجهولة، متملصا من واجب تقديم كشف حساب كمي وموضوعي أمام ممثلي الأمة والرأي العام.

5. ضغط الفضاء الرقمي وتكريس «السياسة المشهدية»: في البيئة الرقمية الراهنة، تراجعت مكانة الصحافة الحزبية والبيانات الموزونة لفائدة خوارزميات المنصات الاجتماعية التي تكافئ الإثارة والملاسنات السريعة؛ مما حول الفاعل الحزبي من مؤطر للوعي المجتمعي إلى كائن رقمي يبحث عن “البوز” ونسب المشاهدة العابرة على حساب هيبة المؤسسات الدستورية ووقارها.

خاتمة: من «تضخم النص» إلى «ضآلة الفاعل»

تضعنا هذه المقاربة المعجمية أمام مفارقة هيكلية مقلقة في المشهد السياسي المغربي؛ عنوانها الأبرز: التناقض بين تضخم النص الدستوري وهزال الفاعل المؤسساتي. ففي اللحظة التي فتحت فيها وثيقة 2011 أفقا ديمقراطيا متقدما لربط المسؤولية بالمحاسبة وتمكين رئيس الحكومة من قيادة السلطة التنفيذية وإلزام المعارضة بأدوار الرقابة البناءة، اختارت النخب الانسحاب إلى هوامش الفرجة، وتداول معجم دارج ومبتذل يتراوح بين التبرير الغيبي (التماسيح والعفاريت) والاستعلاء الطبقي المقاولاتي (نعاودو التربية، باه لاباس عليه، ومعرفة التقاشر).

إن انحدار لغة الحقل السياسي ليس انزلاقا لسانيا عابرا، بل هو مرآة لتحول سوسيولوجي عميق؛ تمثل في تراجع «المثقف المناضل» لصالح «المقاول السياسي»، وتحول الأحزاب من محاضن لإنتاج النخب وصناعة الفكر الديمقراطي إلى وكالات تشغيل انتخابية تسودها لغة الغنائم والمواقع. وحين تفقد اللغة السياسية وقارها الدستوري وحمولتها الفكرية لتتماهى مع خوارزميات “البوز” واستعراضات الشارع، يُفرغ التعاقد الديمقراطي من جوهره، وتتلاشى الثقة العامة في جدوى التمثيل، ليجد المجتمع نفسه أمام عزوف انتخابي متنامٍ يفتح الباب لاحتجاجات الهامش الرقمي ولتآكل وسائط التأطير الدستوري الراسخة.

الهوامش والمصادر

1. المهدي بن بركة، حوار مع جريدة Le Monde الفرنسية، باريس، عدد 28 ماي 1960. (ينظر أيضا: المهدي بن بركة، الاختيار الثوري في المغرب، دار المعارف، بيروت، 1962).

2. أحمد رضا اكديرة، افتتاحية «المفهوم الملكي للسلطة»، جريدة Les Phares، الرباط، عدد 27 ماي 1960.

3. الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بيان مقاطعة الاستفتاء على مشروع الدستور، مطبعة الأمل، الدار البيضاء، نونبر 1962؛ وحول التنسيق المشترك لمقاطعة الدساتير وتأسيس “الكتلة الوطنية” بين حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني، ينظر: بيان 27 يوليوز 1970 لمقاطعة دستور 1970، مطبعة الرسالة، الرباط، 1970.

4. علال الفاسي، مقال «الشعب والعرش»، جريدة La Nation africaine، الرباط، عدد 25 ماي 1963.

5. الفقيه محمد بن العربي العلوي (شيخ الإسلام)، «فتوى في شأن مشروع الدستور وقواعد البيعة والشورى»، جريدة التحرير، الدار البيضاء، عدد 25–26 نونبر 1962.

6. الدكتور عبد الكريم الخطيب، تصريح رئيس مجلس النواب حول عدم دستورية إعلان حالة الاستثناء، مجلة Jeune Afrique، باريس، عدد 15 يونيو 1965.

7. عبد الرحيم بوعبيد، مرافعة أمام المحكمة الابتدائية بالرباط في محاكمة قيادة الاتحاد الاشتراكي إثر بيان نيروبي، أرشيف المحاكمات السياسية، منشورات جريدة المحرر، عدد 25 شتنبر 1981.

8. الملك الحسن الثاني، خطاب افتتاح الدورة البرلمانية والتحذير من السكتة القلبية (11 أكتوبر 1995)، الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، عدد 4330، 14 أكتوبر 1995، ص 2445.

9. الملك الحسن الثاني، خطاب افتتاح السنة التشريعية حول إمارة المؤمنين وفصل السلطات، منشورات وزارة الأنباء، الرباط، 13 أكتوبر 1978.

10. الملك الحسن الثاني، خطاب الذكرى التاسعة عشرة للمسيرة الخضراء حول تشكيل الحكومة واقتراح الوزراء، منشورات القصر الملكي، الرباط، 6 نونبر 1994.

11. امحمد بوستة، تصريح الأمين العام لحزب الاستقلال حول اشتراطات قيادة حكومة التناوب وتغيير وزارة الداخلية، جريدة العلم، الرباط، عدد 12 يناير 1995.

12. عبد الرحمن اليوسفي، الكلمة التوجيهية في المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي غداة تنصيب حكومة التناوب، جريدة الاتحاد الاشتراكي، الدار البيضاء، 15 مارس 1998.

13. عبد الرحمن اليوسفي، محاضرة معهد بروكسيل للدراسات (بلجيكا): «تجربة التناوب التوافقي والانتقال الديمقراطي بالمغرب»، تاريخ الإلقاء: 25 فبراير 2003 (موثقة في: أحاديث في ما جرى: شذرات من سيرة عبد الرحمن اليوسفي، دار النشر المغربية، 2018)؛ توثيق المحاضرة: تسجيل محاضرة بروكسيل لليوسفي — قناة فلك (تاريخ الاطلاع: 01/09/2026).

14. عبد الإله بنكيران، تصريح رئيس الحكومة في برنامج “صوت الصانع” وتوضيح مقولة «عفا الله عما سلف»، بث القناة الأولى المغربية، يوليوز 2012؛ توثيق المقابلة: بنكيران يوضح مقولته: عفا الله عما سلف — برنامج صوت الصانع (تاريخ الاطلاع: 02/09/2026).

15. عبد الإله بنكيران، كلمة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أمام دورة المجلس الوطني بالمعمورة، البوابة الرسمية للحزب، الرباط، 18 يناير 2015.

16. سعد الدين العثماني، حوار تلفزيوني خاص مع رئيس الحكومة حول المطالب الاجتماعية والتشغيل، القناة الأولى (SNRT)، الرباط، 24 دجنبر 2018.

17. عبد الإله بنكيران، تصريحات ومداخلات متفرقة حول “العفاريت والتماسيح التي تعرقل العمل الحكومي”، مقر رئاسة الحكومة، الرباط (2012–2014)؛ توثيق التصريح: بنكيران: التماسيح والعفاريت — تسجيل مصور (تاريخ الاطلاع: 02/09/2026).

18. مجلس النواب المغربي، محضر جلسة الأسئلة الشفهية الشهرية لرئيس الحكومة حول السياسة العامة (مقولة المرأة وثريا البيت)، الجريدة الرسمية للبرلمان، النشرة العامة، 17 يونيو 2014، ص 14–18.

19. عبد الإله بنكيران، كلمة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في لقاء حزبي بدكالة حول دعم استيراد الأضاحي ومصطلح “الفراقشية”، يونيو 2024؛ توثيق المقطع: بنكيران يفتح النار على الفراقشية وتدبير ملف الأضاحي (تاريخ الاطلاع: 03/09/2026).

20. إلياس العماري، الندوة الصحفية للأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة ببوزنيقة وتصريح البداية بـ 500 درهم، تغطية جريدة الصحيفة وموقع هسبريس، 24 يناير 2016.

21. حميد شباط وعبد الإله بنكيران، السجال البرلماني بمجلس النواب حول اتهامات داعش والموساد، أرشيف الجلسات العامة للبرلمان المغربي، يوليوز 2014؛ توثيق الاتهام: شباط يتهم بنكيران بالانتماء لداعش والموساد — تسجيل الجلسة (تاريخ الاطلاع: 03/09/2026).

22. شبيبة حزب الاستقلال، مسيرة الرباط الاحتجاجية واستعمال الحمير ضد نظام المقايسة (22 شتنبر 2013)؛ توثيق التغطية: مسيرة شباط: القليل من السياسة والكثير من الحمير — Yabiladi TV (تاريخ الاطلاع: 04/09/2026)؛ ورد بنكيران: مقال «مسيرة الحمير أضحكت فينا العالم»، الرباط، 30 شتنبر 2013.

23. حميد شباط، كلمة الأمين العام لحزب الاستقلال أمام المجلس العام لنقابة UGTM حول موريتانيا (24 دجنبر 2016)؛ توثيق التصريح: تصريح شباط: موريتانيا أراض مغربية (تاريخ الاطلاع: 04/09/2026)؛ وينظر بيان وزارة الخارجية وردود الفعل الرسمية: تقرير CNN بالعربية: الخارجية المغربية ترفض تصريحات شباط (تاريخ الاطلاع: 04/09/2026).

24. مجلس المستشارين المغربي، محضر جلسة الأسئلة الشفهية: جواب وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد ونعت المقاطعين بـ «المداويخ»، الجريدة الرسمية لمجلس المستشارين، عدد 74، 24 أبريل 2018؛ توثيق الجلسة: الوزير بوسعيد يصف المقاطعين بالمداويخ داخل البرلمان (تاريخ الاطلاع: 05/09/2026).

25. لحسن الداودي، وقفة تضامنية ليلية للوزير المكلف بالحكامة أمام مقر البرلمان مع عمال شركة “سنطرال دانون”، الرباط، 5 يونيو 2018؛ توثيق المقطع: مشاركة الوزير الداودي في وقفة سنطرال أمام البرلمان (تاريخ الاطلاع: 05/09/2026).

26. عزيز أخنوش، كلمة رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار بميلانو: «اللي ناقصاه التربية خاصنا نعاودو ليه التربية»، 7 دجنبر 2019؛ توثيق الكلمة: أخنوش في ميلانو: لي ناقصاه التربية نعاودو ليه التربية — Lakome2 (تاريخ الاطلاع: 06/09/2026).

27. عبد اللطيف وهبي، تصريح وزير العدل حول امتحان المحاماة ونجله («باه لاباس عليه وقراه فالخارج»)، الرباط، 2 يناير 2023؛ توثيق التصريح: وهبي: ولدي باه لاباس عليه وقراه فالخارج (تاريخ الاطلاع: 06/09/2026).

28. عبد اللطيف وهبي، تصريح وزير العدل لمسؤول محلي بتارودانت («أنا كنعرف لون التقاشر اللي لابس»)، دجنبر 2021؛ توثيق الواقعة: وهبي لمسؤول بتارودانت: كنعرف حتى لون التقاشر (تاريخ الاطلاع: 07/09/2026).

29. رشيد الطالبي العلمي، مداخلة في المنتدى الجهوي لمنتخبي حزب الأحرار والسجال المتبادل مع عبد الإله بنكيران («المرضى النفسيين» و«الذيب الشارف»)، ماي 2022؛ توثيق السجال: الطالبي العلمي يصف بنكيران بالذيب الشارف ورد الأخير (تاريخ الاطلاع: 07/09/2026).

30. نبيل بنعبد الله، حوار الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية مع أسبوعية الأيام (عدد 732، 8 شتنبر 2016)؛ وتصريحاته حول التحكم: تصريح نبيل بنعبد الله حول مواجهة التحكم (تاريخ الاطلاع: 08/09/2026)؛ وبلاغ الديوان الملكي في 13 شتنبر 2016.

31. إدريس لشكر، الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الحادي عشر للاتحاد الاشتراكي حول “تغول الأغلبية العددية”، بوزنيقة، 28 يناير 2022؛ توثيق التصريح: إدريس لشكر ينتقد تغول الأغلبية الحكومية — Hespress (تاريخ الاطلاع: 08/09/2026).

32. محمد أوزين، رد على تداعيات واقعة مركب مولاي عبد الله ونعت “وزير الكراطة”: أوزين: هذا ردي على من وصفني بوزير الكراطة — Akhbar TV (تاريخ الاطلاع: 08/09/2026)؛ وتصريحاته بمجلس النواب في مناقشة الحصيلة المرحلية للحكومة («طايحة فالحصلة ماشي فالحصيلة»)، ماي 2024.

33. نبيلة منيب، مداخلات الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد حول مقاطعة “دكاكين الأحزاب” وضرورة تخليق العمل السياسي: منيب: أوقفوا دكاكين الأحزاب ولا سياسة بلا أخلاق — Febrayer TV (تاريخ الاطلاع: 08/09/2026).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *