حوار خاص مع الباحث التربوي رضوان المسكيني حول التربية الأخلاقية داخل المدرسة المغربية

حوار خاص مع الباحث التربوي رضوان المسكيني حول التربية الأخلاقية داخل المدرسة المغربية
متابعة مجلة 24

حوار خاص مع الباحث التربوي رضوان المسكيني حول التربية الأخلاقية داخل المدرسة المغربية
حاوره: بوشعيب النجار
إن الإهمال في تربية الطفل ذنب لا يغتفر وإن موت الطفل خير من أن يترك بلا تعليم، وعليه نجد النظم التعليمية عبر العالم، تُسابق الزمن بغية تحديث مناهجها الدراسية، فسرعة التطور العلمي والمعرفي جعل شعار اليوم يحمل عقيدة معلنة لحاقا ، فغدت بذلك مناحي التفكير لإعادة النظر في سُبل التدبير التربوي ضرورة مُلحة لا مفرّ مِنها لايقول الباحث التربوي رضوان المسكيني للجريدة، رغم أن مدخل القيم هذا يحتل مكانة متميزة في المنهاج التربوي المغربي، حيث عملت وزارة التربية الوطنية والتعليم بتنسيق مع مديرية المناهج والبرامج على إدماج البعد القيمي في الكتب المدرسية. وذلك بتعديل البرامج والمناهج الدراسية، والتخطيط لوضعيات تعليمية حياتية حاملة لقيم مختلفة، بغية تكوين متعلم قادر على الاندماج الفعلي والايجابي بمجتمعه، متشبع بمجموعة من القيم والمعارف.
وعليه فسؤالنا لكم “المدرسة المغربية… أي قيم؟” وماهي خصوصية المدرسة التي نريد؟ باعتبارها مؤسسة اجتماعية.
سؤال وجيه، فالمدرسة المغربية تحتاج إلى وصفة سحرية، خاصة بتنزيل القيم وبالخصوص ذات البعد الكوني لتتجاوز إشكالية التنزيل والتفعيل، حتى نستطيع إنتاج مواطن يؤمن بالوحدة الوطنية والعالمية وبوحدة الجنس البشري. وكيفما كان الواقع وكيف ما كان سبيل الإصلاح ومقوماته نرى أن جميع الإصلاحات وحتى الأخيرة منها، أغفلت التربية الروحانية للطفل المغربي كأحد الركائز الأساسية الذي يساهم في بناء الحضارة الجديدة التي تعترف بالمبادئ الكونية الشمولية التي تساهم في اتحاد العالم ورفاء جنسه البشري، فتعويد النشء على اكتساب الكمالات الروحانية لا يمكن أن ينفصل عن تقدم العالم نحو المدنية الجديدةن على حد سواء كانت وطنية أم عالمية لأنهما مرتبطتان معا، أي أننا لا يمكن أن نتحدث عن التعليم الأخلاقي بالطريقة التي اتبعتها البرامج السابقة وحتى الحالية ، ولا نتكلم عن أخلاقيات محدده لفرد بل ارتباطها بالجانب الاجتماعي وبناء الحضارة المدَنِية التي تعتمد على كيفية اكتسابنا للكمالات الروحانية داخل المدرسة التي كان لها دورا كبير في توجيه المجتمع والتأثير عليه في السنوات السابقة، في حين نرى اليوم غيابا كبيرا لدورها هذا والذي يرجع لعدة عوامل. هذا كذلك سيدفعني إلى سرد قصة: أوبونتو- ” Ubuntu ” العجيبة والمؤثرة.
حيث قام أحد علماء الأنثروبولوجيا بعرض لعبة على أطفال إحدى القبائل الأفريقية البدائية…وضع العالم سلة من الفواكه اللذيذة قرب جذع شجرة وقال لهم : بأن أول طفل يصل إلى الشجرة سيحصل على السلة بما فيها، عندما أعطاهم إشارة البدء، تفاجأ بهم يسيرون سوية ممسكين بأيدي بعضهم حتى وصلوا إلى الشجرة وتقاسموا الفاكهة ..!عندما سألهم لماذا فعلتم ذلك فيما كل واحد بينكم كان بامكانه الحصول على السلة له وحده !أجابوه بتعجب :أوبونتو-Ubuntu*أي (كيف يستطيع أحدنا أن يكون سعيدًا فيما الباقين تعساء) أوبونتو- Ubuntu في حضارتهم تعني :”أنا أكون لأننا نكون” تلك القبيلة البدائية تعرف سر السعادة الذي ضاع في جميع المجتمعات المتعالية عليها والتي تعتبر نفسها مجنمعات متحضرة.
هذه هي الأخلاق التي يجب أن يتعلمها تلاميذنا داخل المدارس فهم رجال الغذ والمستقبل ومن رحم هذه المؤسسة التربوية يتولد الطبيب والمهندس والنجار والحداد والعالم والوزير…
إذا فكرنا بطريقة Ubuntu يتضح لنا أن التربية الأخلاقية لا يمكنها أن تقاس بمعزل عن القوى التي تشكل المجتمع ولا بمعزل عن تلك القوى التي تخلق الحركة في التاريخ ، فتلك القوى يجب أن تعمل على خلق حضارة جديدة تنطلق من المدرسة كمؤسسة اجتماعية وتربوية صغرى ضمن المجتمع الأوسع ، يقوم بتربية النشء وتأهيلهم ودمجهم في المجتمع لتكييفهم معه. وحسب إميل دور كايم فالمدرسة ذات وظيفة سوسيولوجية وتربوية هامة أي أنها فضاء يقوم بالرعاية والتنشئة الاجتماعية وتكوين المواطن الصالح . فهل نحتاج اليوم إلى مواطن صالح فقط ؟ أم صالح و في نفس الآن فعال؟
فماهو مفهوم التربية الأخلاقية في نظركم ؟
السر ليس في المفهوم أو التعريف لأنه يختلف حسب تقدم العصر من باحث إلى باحث ومن حقبه إلى أخرى ، وتبقى الأخلاق هي الأخلاق، والتربية الأخلاقية هي اكتساب تلك الصفات ، و تبقى حقيقة واحدة يجب أن ندركها وهى إدراك معنى الصفات الروحانية والأخلاقية وطرق تطبيقها ، فالتطبيق العملي ليس ثابتا في كل الأزمان ، ففي المجتمعات المتقدمة تأخذ نفس الكلمات معاني جديدة كليا ، وما لم نعرف معانيها الجديدة فنحن نفقد أهمية التربية الأخلاقية ككل وحتى في تعليم أطفالنا داخل المدارس اليوم وهذا جانب أخفقت فيه الوزارة الوصية في إصلاحاتها الأخيرة.
إذا كنا نتكلم عن تطور الفضائل والقوانين الأخلاقية فنحن لا ندرك تماما أننا نشتغل بنفس الطرق القديمة والتي كانت متبعة منذ مئات السنين متجاهلين احتياجات العصر التي أصبح من الضروري مواكبتها ومسايرتها لأن العالم اليوم أصبح بمثابة قرية صغيرة خصوصا عند دخول عالم الرقمنة الذي طوره من جميع الجهات.
كذلك ، إن قوانين الحكومات والحضارات السابقة في تغيير وتراجع مستمر حيث تتطور الأفكار العلمية والنظريات و تتقدم لتواجه ظاهره جديدة ، فالاختراعات والاكتشافات التي تمت حتى الآن تكشف عن عجائب وأسرار مكنونة للعالم المادي ، الصناعة والإنتاج في اتساع كبير وعالم اليوم والبشر في كل مكان في احتضار عنيف وفى حالة انفعال ، ففعاليات الأوضاع القديمة تتجدد مع ظهور عصر جديد ، مثلما الأشجار القديمة التي لا تعطي ثمرا ، كذلك فالأفكار والأساليب القديمة مهملة ولا قيمة لها الآن. كذلك كل مستويات الأخلاقيات والقوانين الأخلاقية وطرق المعيشة السابقة ليست كافية للعصر الحالي عصر التقدم والرقي . فعندما نبدأ التفكير في سياق الكلام عن الأخلاقيات والتربية الأخلاقية يتضح بأن التغيير مرتبط بنظام اليوم ، أي أنه يجب الأخذ في الاعتبار تغيير الأخلاق وليس الاحتفاظ بحالة الأخلاق وإذا كان عالمنا اليوم تتجاذبه قوتان (الهدم – البناء) وفي ظلهما يتأرجح مؤشر بناء الحضارة بتطورها العلمي والتكنولوجي والاجتماعي والاقتصادي فالأساس مرتبط بالخيارات التي تم اكتسابها حسب مفهوم الأخلاق الملقّن للطفل داخل المدرسة. فعندما يُنجِب المجتمع عالِما صالحا أو طالحا فهو رهين بالفهم الجديد للفضائل وبالخيارات التي كيفما كانت يبقى أساسها أخلاقيا والعكس صحيح.
إن التربية الأخلاقية التي نحتاجها اليوم داخل المدرسة المغربية هي تربية تطبيقية بالأساس حتى تنتج لنا فردا أخلاقيا بما تحمل الكلمة من معنى، بعيدا كل البعد عن المفهوم التقليدي للفرد الأخلاقي ،لأننا لا نحتاج اليوم فقط إلى فرد صالح بل يجب أن يكون فعالا داخل المجتمع وهذا ما يجب أن تهدف إليه برامجنا التعليمية اليوم.
ما نراه في الواقع يختلف تماما، من خلال طرح المدرسة لوضعية متناقضة بين خطاب التنظير وآليات الممارسة في نظركم ماهي احتياجاتنا الحقيقية داخل المدرسة؟
فنحن نحتاج إلى أخلاقيات إنسان نشِطٍ وفعال لأن الفرد الأخلاقي غير الفعال لم يعد إنسانا جيدا وكافيا، يجب أن نطور نظام التربية الأخلاقية داخل البرامج التعليمية والمقررات التربوية، لكي نخلق أفرادا قادرين على بناء حضارة جديدة وقادرين في نفس الوقت على جلب التغيير، ومن الأجدر بإصلاحاتنا الجديدة الانتباه لهذا ، لأن الحياة المدرسية ترتكز على مجموعة من المقومات أهمها انفتاح المدرسة على محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وأنها مجتمع مصغر من العلاقات الإنسانية والتفاعلات الإيجابية.
إن قدرة الفرد أخلاقيا على تغيير العالم كأحد الأهداف التي تسعى إليها إنسانيتنا المعذبة، تعاني مسألة التعثر والإخفاق التي لا تخص قطاعا بعينه، فهي تشمل قطاعات متعددة (الصحة، الشغل، الصناعة، الإعلام، الثقافة والعدل….) كما تشير إليه التقارير الدولية حول وضعية البلاد، وبالتالي فهو حسب المتتبعين ظاهرة مجتمعية مرتبطة بطبيعة القيم المجتمعية السائدة في المجتمع، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بقدرته -الفرد -على تغيير نفسه، وتطوير نظام التربية الأخلاقية ،هذا يعني أن نظام التربية الأخلاقية عليه أن يهتم بأخلاقيات الفرد وفي نفس الوقت يهتم بتغيير بنية المجتمع ليخلق القدرة لدى الفرد لتغيير المجتمع وهو شرط أساسي يجب الانتباه إليه.
وتنشئة الأطفال كذلك لا تنحصر فقط في تعليمهم الأخلاق والسلوك الحسن وتوفير وسائل التربية والتعليم لهم (المدرسة الرائدة نموذجا) بل للتنشئة مطالب ومرامي أبعد يجب أن تضم جناحي التعليم والتربية الروحانية. والمتعلم كذلك في حاجة دائمة ومستمرة إلى نظام تعليمي متجدد، يدرك حاجة متعلميه ومتطلباتهم النمائية، وليس نظام يبتدأ بالكلام وينتهي بالكلام. ناهيك على أن العلاقة بين القيم والتربية علاقة متبادلة تتبادل التأثير والتأثر الذي قد يصل إلى مدى لا يمكن تصوره وخير دليل نستشهد به لكم قصة “أوبونتو” في الأدغال الإفريقية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *